تمثل المعارضة البرلمانية أحد الركائز الأساسية في تدعيم البناء الديمقراطي وتوازنه؛ حيث تتعدى أدوارها التعبير التقليدي عن الرفض والاحتجاج لتستقر كفاعل استراتيجي في تقويم الأداء الحكومي، وتوجيه السياسات العمومية، وصيانة المكتسبات الدستورية.
وفي المشهد السياسي الراهن، تحظى مسألة إعادة بناء المعارضة وتموقعها بأهمية بالغة، خاصة عقب تجارب نيابية سابقة اتسمت بضعف الأداء المعارض وتشتت مكوناته أمام هيمنة الأغلبية العددية.
ومع اقتراب المحطات السياسية الحاسمة وتشكل ملامح الهندسة الحكومية المقبلة، تصبح قوة المعارضة وانسجامها شرطا جوهريا لإعادة الروح والحيوية للممارسة النيابية، وتحريك آليات الرقابة الدستورية كالملتمسات ولجان تقصي الحقائق.
وفي هذا السياق، أكد المحلل السياسي محمد شقير أن الاصطفاف الاستباقي للرباعي المعارض قبل تشكيل الحكومة المقبلة سيكون حاسما في رسم خريطة التحالفات المرتقبة؛ إذ ستأخذه رئيسة الحكومة المكلفة بعين الاعتبار لتفادي وضع الأغلبية تحت ضغط معارضة قوية تملك أدوات الرقابة البرلمانية والتأثير السياسي.
وأوضح شقير من خلال تصريح خص به “بلبريس ” أن الهيكلة الحكومية القادمة ستسعى جاهدة لتحصين نفسها ضد أي هجمات معارضة قادرة على حشد النصاب القانوني؛ سواء لتحريك ملتمس الرقابة الذي قد يهدد استقرار الحكومة، أو لتشكيل لجان تقصي حقائق برلمانية لمراقبة القرارات والإجراءات الحكومية عن كثب.
وأشار المحلل السياسي إلى أن هندسة هذا التحالف قد تدفع بالقيادة الحكومية إلى استبعاد بعض الأطراف لتفادي أي ارتباك داخلي؛ مشيرا إلى أن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية قد يجد نفسه خارج المعادلة الحكومية، نظرا لأن وجوده قد يعطل انسجام مواقف المعارضة بسبب الخلافات السياسية والشخصية العميقة بينه وبين حزب العدالة والتنمية.
ولفت المتحدث ذاته إلى أن المنطق نفسه قد ينطبق على حزب التقدم والاشتراكية، الذي قد يُستثنى بدوره لمنع منافسته لتحالف اليسار داخل المشهد النيابي، مما يتيح استقطاب الخرائط السياسية وتقسيم الأدوار بشكل أكثر وضوحا.
وخلص محمد شقير إلى أنه بغض النظر عن التشكيلة النهائية للحكومة والمعارضة، فإن المرحلة النيابية المقبلة تتجه نحو بروز معارضة قوية وشرسة، وهو ما من شأنه إعادة الزخم والحيوية للحياة السياسية الوطنية، بخلاف الولاية السابقة التي اتسمت بضعف الأداء المعارض وتشتته أمام ما كان يُوصف بـ “تغول الأغلبية”.