تجديد الثقة في الميداوي بوزارة التعليم العالي..مكسب للجامعة المغربية- فيديو

يشكل تجديد الثقة في عز الدين الميداوي، وتعيينه مجددا على رأس وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، ضمن الحكومة الجديدة التي عين الملك محمد السادس أعضاءها يوم الجمعة 16 أكتوبر 2026، مؤشرا على الرهان على استمرارية التجربة الأكاديمية في تدبير أحد أكثر القطاعات ارتباطا بمستقبل التنمية في المغرب. فعودة الميداوي إلى المنصب ذاته تعيد إلى الواجهة مسارا جمع بين البحث العلمي وتدبير المؤسسات الجامعية، في وقت تحتاج فيه الجامعة المغربية إلى مواصلة الإصلاح والاستجابة للتحولات المتسارعة التي يعرفها المجتمع وسوق الشغل.

ويكتسي هذا التعيين أهمية خاصة بالنظر إلى الخلفية الأكاديمية للوزير، الذي راكم تجربة طويلة داخل الجامعة المغربية، قبل الانتقال إلى المسؤولية الحكومية سنة 2024. فمن وجهة نظر مؤيدة لاستمرارية الإصلاح، يمكن اعتبار الاحتفاظ بالميداوي مكسبا للجامعة المغربية، بالنظر إلى معرفته بتفاصيل العمل الجامعي، وإلمامه بالإكراهات التي تواجه المؤسسات الجامعية، فضلا عن تجربته في تدبير البحث العلمي والتنسيق بين الجامعات. وهي عناصر من شأنها أن تساعد على مواصلة الأوراش القائمة، شريطة أن تترجم إلى نتائج ملموسة يستفيد منها الطلبة والأساتذة والباحثون.

وُلد عز الدين الميداوي في 22 فبراير 1959، وحصل على الدكتوراه من جامعة مونبلييه سنة 1988، قبل أن ينال دكتوراه الدولة من جامعة محمد الخامس بالرباط سنة 1991. وبدأ مساره المهني بكلية العلوم بالقنيطرة، حيث تولى عددا من المسؤوليات الأكاديمية والإدارية، من بينها منصب نائب العميد، ثم مدير مركز دراسات الدكتوراه في العلوم والتقنيات بين سنتي 2007 و2009، ونائب رئيس الجامعة المكلف بالبحث العلمي والتعاون خلال الفترة الممتدة من 2009 إلى 2013.

وفي سنة 2013، تولى عمادة كلية العلوم بالقنيطرة، قبل أن ينتقل سنة 2014 إلى رئاسة جامعة ابن طفيل، وهو المنصب الذي شغله إلى غاية سنة 2023، بالتزامن مع رئاسته لندوة رؤساء الجامعات المغربية. وقد أتاح له هذا المسار الاحتكاك المباشر بإشكالات التدبير الجامعي، وتحديات التكوين والبحث العلمي، ومتطلبات تطوير المؤسسات الجامعية وتعزيز انفتاحها على محيطها الاقتصادي والاجتماعي.

وتمنح هذه التجربة للوزير معرفة عملية بمختلف مستويات المسؤولية داخل الجامعة، من تدبير الكليات ومراكز البحث إلى قيادة جامعة والتنسيق مع باقي المؤسسات الجامعية. كما أن اشتغاله ضمن هيئات وطنية معنية بالتعليم والتكوين والبحث العلمي أتاح له المشاركة في نقاشات مرتبطة بحكامة المنظومة وتطوير أدائها.

وفي هذا السياق، شغل الميداوي عضوية المكتب ورئاسة لجنة الحكامة بالمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي خلال الفترة الممتدة من 2014 إلى 2019، كما كان عضوا باللجنة الوطنية لتنسيق التعليم العالي بين سنتي 2018 و2023. ومنذ سنة 2017، يشغل عضوية مؤسسة أكاديمية المملكة المغربية. وبعد مغادرته رئاسة جامعة ابن طفيل، تولى خلال الفترة الممتدة من 2023 إلى 2024 إدارة المعهد الدولي لأبحاث المياه التابع لجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية.

وتبرز هذه المحطات أن مسار الميداوي لم يقتصر على التدريس والبحث العلمي، بل امتد إلى تدبير المؤسسات الجامعية والمشاركة في هيئات الحكامة والتنسيق. ومن هنا، يستند التوجه الذي يعتبر عودته مكسبا للجامعة المغربية إلى ما راكمه من خبرة في القطاع، وإلى إمكانية توظيف هذه الخبرة في مواصلة الإصلاح، مع مراعاة أن قيمة التجربة لا تقاس فقط بطول المسار، وإنما كذلك بالنتائج التي تستطيع تحقيقها على أرض الواقع.

وتنتظر الوزير في ولايته الجديدة ملفات متعددة، يأتي في مقدمتها مواصلة إصلاح منظومة التعليم العالي، والرفع من جودة التكوينات الجامعية، وتطوير البحث العلمي والابتكار، إلى جانب تعزيز حكامة المؤسسات الجامعية وتحسين أدائها. كما يظل تطوير العرض الجامعي بما يستجيب للتحولات الاقتصادية والتكنولوجية، وتوسيع فرص التكوين أمام الشباب، من أبرز التحديات التي تتطلب مقاربة متكاملة تجمع بين السياسات العمومية والموارد المتاحة وحاجيات المؤسسات الجامعية.

وتتجاوز رهانات الجامعة المغربية مسألة توفير مقاعد إضافية للطلبة أو توسيع عدد المؤسسات، لتشمل جودة التعلمات، وظروف التأطير البيداغوجي، وتطوير المختبرات والبنيات المخصصة للبحث العلمي، فضلا عن دعم الباحثين وتشجيع الابتكار. فنجاح الإصلاح الجامعي يرتبط بقدرة المؤسسات على توفير بيئة ملائمة للتحصيل والإنتاج العلمي، وعلى تمكين الطلبة من اكتساب معارف ومهارات تساعدهم على الاندماج المهني والمساهمة في التنمية.

ومن بين الملفات التي تفرض نفسها أيضا، تعزيز الصلة بين الجامعة ومحيطها الاقتصادي والاجتماعي، بما يضمن تطوير تخصصات تستجيب للتحولات التي يعرفها سوق الشغل، دون إغفال دور الجامعة في إنتاج المعرفة والتفكير النقدي والبحث الأساسي. ويتطلب ذلك تقوية الشراكات بين الجامعات والمقاولات ومراكز البحث، وتوسيع فرص التدريب والتأطير، وتشجيع تحويل نتائج الأبحاث إلى مشاريع ابتكارية ذات قيمة علمية واقتصادية.

كما أن تحسين ظروف الحياة الجامعية يظل عنصرا أساسيا في أي إصلاح يروم الارتقاء بالتعليم العالي. فانتظارات الطلبة لا تتوقف عند جودة الدروس والتكوينات، بل تشمل كذلك الخدمات الاجتماعية، وظروف الإيواء والنقل والإطعام، وتكافؤ الفرص بين الطلبة القادمين من مختلف المناطق والفئات الاجتماعية. ويستدعي ذلك مواصلة التنسيق بين القطاعات والمؤسسات المعنية، حتى لا يظل الإصلاح محصورا في الجوانب البيداغوجية والإدارية دون أن ينعكس على التجربة اليومية للطلبة.

وفي المقابل، فإن استمرار الوزير في منصبه يضعه أمام مسؤولية البناء على التجربة السابقة، وتقييم ما تحقق خلالها، وتحديد مكامن التعثر التي تحتاج إلى معالجة. فالتحدي لا يتمثل في إطلاق أوراش جديدة فحسب، بل في ضمان استمرارية السياسات الناجعة، وتحسين تنفيذ البرامج، وإشراك الفاعلين الجامعيين في بلورة الحلول، بما يعزز الثقة بين الوزارة والجامعات ومختلف مكونات الأسرة التعليمية.

وتبرز أهمية هذا الرهان أيضا في ضرورة إرساء توازن بين توسيع الولوج إلى التعليم العالي والحفاظ على جودته، وبين الاستجابة لحاجيات سوق الشغل وصيانة الدور العلمي والثقافي للجامعة. فالمؤسسات الجامعية ليست مجرد فضاءات لإعداد الخريجين، بل تشكل رافعة لإنتاج المعرفة، وتكوين الكفاءات، وتطوير البحث والابتكار، والمساهمة في معالجة الإشكالات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه البلاد.

ومن هذا المنطلق، فإن عودة عز الدين الميداوي إلى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار يمكن أن تشكل فرصة لمواصلة الإصلاح انطلاقا من تجربة راكمها داخل المؤسسات الجامعية وهيئات الحكامة. كما أن معرفته بالإكراهات التي تواجه القطاع قد تساعد على تحديد الأولويات بصورة أكثر ارتباطا بواقع الجامعة، وتعزيز التواصل مع مكوناتها، والعمل على جعل الإصلاح أكثر استجابة لانتظاراتها.

وبين استمرارية التجربة وتجدد التحديات، تراهن الجامعة المغربية على أن تتحول الخبرة الأكاديمية والتدبيرية للوزير إلى قيمة مضافة في المرحلة المقبلة. وإذا كان تجديد الثقة فيه يمثل، وفق هذه القراءة التحريرية، مكسبا من حيث الاستمرارية ومعرفة القطاع، فإن الرهان الأكبر يظل في ما ستسفر عنه الولاية الجديدة من نتائج ملموسة في جودة التكوين، وتطوير البحث العلمي، وتحسين ظروف الطلبة، وتعزيز مكانة الجامعة المغربية في محيطها الوطني والدولي.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *