مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر المقبل، تتجه الأنظار إلى دائرة الرباط شالة، التي تستعد لخوض سباق انتخابي يتوقع أن يكون من أكثر المنافسات احتداما داخل العاصمة، في ظل تعدد الأسماء المرشحة وتنافس الأحزاب على المقاعد البرلمانية الثلاثة المخصصة للدائرة.
وتشير خريطة الترشيحات التي بدأت تتضح تدريجيا إلى أن الاستحقاق المقبل قد لا يكون مجرد إعادة إنتاج لنتائج انتخابات 2021، خصوصا مع دخول وجوه جديدة إلى السباق، وعودة أحزاب تسعى إلى استعادة مواقع فقدتها، مقابل قوى سياسية تدافع عن مكاسبها السابقة.
نتائج انتخابات 2021
وتكتسب نتائج انتخابات 8 شتنبر 2021 أهمية خاصة في قراءة المشهد الحالي، بعدما تصدر التجمع الوطني للأحرار ترتيب الدائرة بـ10823 صوتا، يليه حزب الأصالة والمعاصرة بـ7605 أصوات، ثم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بـ5880 صوتا، فيما لم يتمكن حزب الاستقلال من الظفر بأي مقعد.
ومن هذه الخلفية ينطلق حزب الاستقلال لخوض معركة انتخابية مختلفة هذه المرة، بعدما اختار عبد العزيز الدرويش، رئيس مجلس عمالة الرباط، وكيلا للائحته. ويمنح هذا الترشيح للحزب ورقة انتخابية ذات وزن محلي، خصوصا أن الدرويش سبق أن كان منتميا إلى الاتحاد الاشتراكي، قبل أن يتحول اليوم إلى أحد أبرز منافسيه داخل الدائرة.
وتفرض هذه المعطيات على الاتحاد الاشتراكي التعامل مع منافسة تحمل طابعا خاصا، إذ سيواجه الحزب مرشحا سبق أن اشتغل داخل صفوفه ويعرف جزءا من بنيته التنظيمية والسياسية المحلية. ومن هنا تكتسب المواجهة بين الطرفين أهمية تتجاوز الحسابات الانتخابية التقليدية، لتصبح اختبارا لقدرة كل طرف على استثمار تجربته وشبكة علاقاته داخل الدائرة.
وفي الجهة المقابلة، يراهن التجمع الوطني للأحرار على الاستمرارية من خلال إعادة ترشيح النائب البرلماني الحالي علاء الدين البحراوي، في خطوة تعكس رغبة الحزب في الحفاظ على المقعد الذي مكنه من تصدر نتائج 2021. ويستند الحزب في ذلك إلى رصيد انتخابي سابق وإلى تجربة برلمانية راكمها مرشحه خلال الولاية الحالية.
تغير خريطة المنافسين
غير أن المحافظة على الصدارة لن تكون مهمة مضمونة، في ظل تغير خريطة المنافسين وتعدد الأسماء التي تدخل السباق. فالفارق الذي فصل الأحرار عن منافسيه في 2021 لا يعني بالضرورة تكرار النتيجة نفسها، خصوصا عندما يتعلق الأمر بانتخابات يمكن أن تعيد عملية توزيع الأصوات ترتيب القوى داخل الدائرة.
أما الأصالة والمعاصرة، فقد اختار تعزيز حضوره من خلال ترشيح أديب بنبراهيم، كاتب الدولة المكلف بالإسكان، وكيلا للائحته. ويمنح الحزب لمرشحه موقعا سياسيا وحكوميا قد يساعده في الدفاع عن المقعد الذي حصل عليه في الانتخابات السابقة، غير أن الرهان الحقيقي سيظل في قدرته على تحويل هذا الحضور إلى أصوات انتخابية.
ويبدو الاتحاد الاشتراكي أمام اختبار مواز، بعدما دفع بالحسن لشكر، نجل الكاتب الأول للحزب إدريس لشكر، لقيادة اللائحة. ويأتي هذا الترشيح في سياق يسعى فيه الحزب إلى الحفاظ على المقعد الذي حصل عليه في 2021، رغم دخول حزب الاستقلال بقوة إلى المنافسة.
ويجعل هذا الوضع المقعد الثالث في الدائرة مفتوحا على احتمالات متعددة، خصوصا أن الاتحاد الاشتراكي لن يواجه فقط منافسة حزبية عادية، بل سيخوض سباقا أمام مرشح له تجربة سابقة داخل الحزب ومعرفة بالمشهد السياسي المحلي. ومع ذلك، يبقى الحسم مرتبطا بقدرة كل طرف على التعبئة وتوجيه الأصوات يوم الاقتراع.
تحالف اليسار بالعوني
ولا يغيب اليسار عن هذه المنافسة، إذ يدخل الحزب الاشتراكي الموحد ضمن تحالف اليسار بترشيح الحقوقي محمد العوني، في محاولة لترجمة الرصيد السياسي والتنظيمي للتحالف إلى حضور انتخابي داخل الدائرة. ويظل التحدي بالنسبة إلى هذه المكونات مرتبطا بقدرتها على تجميع الأصوات وعدم فقدانها لصالح لوائح أخرى.
ويشارك حزب التقدم والاشتراكية بدوره بمرشح له تجربة برلمانية سابقة، هو جمال كريمي بنشقرون، بينما اختار الاتحاد الدستوري محمد آيت بوسهام، في حين يدخل حزب العدالة والتنمية المنافسة من خلال محمد الطاهري، في مسعى لاستعادة جزء من حضوره الانتخابي داخل العاصمة.
وتفرض كثرة اللوائح نفسها كأحد أبرز العوامل التي يمكن أن تؤثر في النتيجة النهائية، لأن توزيع الأصوات على عدد أكبر من المرشحين قد يقلص الفوارق بين القوى الكبرى ويفتح المجال أمام مفاجآت انتخابية. وهذا يعني أن الأحزاب الفائزة في 2021 لن تكون مطالبة فقط بالحفاظ على أصواتها، بل أيضا بمنع منافسيها من اقتطاع جزء مؤثر من رصيدها السابق.
وبالنسبة إلى حزب الاستقلال، تبدو المعركة بمثابة محاولة لاستعادة موطئ قدم داخل دائرة غاب عنها خلال الاستحقاق السابق. واختيار عبد العزيز الدرويش يعكس رغبة في الاستفادة من شخصية لها حضور في تدبير الشأن الترابي، لكن نجاح هذه الاستراتيجية سيبقى رهينا بمدى فعالية التنظيم الحزبي وقدرته على تعبئة الناخبين.
الاتحاد بتجربة سابقة
وفي المقابل، يراهن الاتحاد الاشتراكي على تجربته السابقة داخل الدائرة وعلى المقعد الذي حصل حسن لشكر عليه في 2021، لكنه يواجه هذه المرة اختبارا صعبا للحفاظ على موقعه. وستكون قدرة الحزب على الحفاظ على قاعدته الانتخابية عاملا حاسما، خصوصا في ظل المنافسة المباشرة التي يفرضها حزب الاستقلال.
أما التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة، فسيخوضان الانتخابات بمنطق الدفاع عن مكاسب انتخابية قائمة، بعدما نجحا في انتزاع مقعدين خلال الاستحقاق السابق. وسيكون أمامهما تحدي إثبات أن حضورهما السياسي والحكومي خلال الولاية الحالية قادر على ترجمة نتائج انتخابية مماثلة أو أفضل.
وفي الوقت نفسه، تسعى باقي الأحزاب إلى استغلال أي تراجع محتمل في رصيد القوى الثلاث التي تصدرت نتائج 2021. ويمنح تعدد المرشحين هذه الأحزاب فرصة للمنافسة على أصوات الناخبين الذين قد يغيرون اختياراتهم مقارنة بالاستحقاق السابق.
وبذلك، تبدو دائرة الرباط شالة أمام سباق لا تحكمه فقط نتائج الانتخابات الماضية، بل أيضا قدرة المرشحين على استثمار حضورهم السياسي والتنظيمي والتواصل المباشر مع الناخبين. فالأسماء البارزة قد تمنح الأحزاب دفعة أولى، لكن تحويل هذه الأفضلية إلى مقاعد يظل رهينا بالحملة الانتخابية وبحجم التعبئة يوم الاقتراع.
وتبقى المواجهة بين الاستقلال والاتحاد الاشتراكي من أبرز عناوين هذه الانتخابات، في وقت سيعمل فيه الأحرار والأصالة والمعاصرة على حماية موقعيهما. وفي المقابل، سيحاول اليسار وباقي القوى السياسية اقتناص فرصة لإحداث اختراق داخل دائرة ظلت نتائجها في 2021 واضحة المعالم.
ومع اقتراب يوم الاقتراع، يظل السيناريوهان الأكثر حضورا هما استمرار الخريطة التي أفرزتها انتخابات 2021، أو حدوث تغيير في أحد المقاعد الثلاثة نتيجة تحولات الأصوات وتعدد المنافسين. وبين هذين الاحتمالين، ستبقى شالة مفتوحة على معركة انتخابية قد تعيد رسم جزء من الخريطة السياسية للعاصمة.