من كتلة المعارضة إلى كتلة الأغلبية..ثوابت الذاكرة السياسية ومتغيرات المشهد

يتردد مصطلح “أحزاب الكتلة” بقوة في كواليس النقاش السياسي الحالي بالمغرب، إلى واجهة الأحداث في ظل حكومة المنصوري الجديدة، التي تضم  كلا من حزب الإستقلال، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والتقدم والاشتراكية.

غير أن هذا لاسم الذي يحمل حمولة تاريخية ورمزية ثقيلة يطرح سؤالا جوهريا حول ما إذا كنا أمام عودة فعلية لـ”الكتلة” كقوة سياسية ذات مشروع إصلاحي مشترك، أم أمام مجرد إعادة توظيف لاسم ورصيد تاريخي لخدمة ترتيبات حكومية ظرفية؛ ولفهم حدود هذه التجربة، يصبح تفكيك معادلة “الثابت والمتحول” مدخلا تحليليا ضروريا لقراءة ما بين سطور الأرقام والمواقف.

يتمثل الثابت في هذا النقاش في الرمزية التاريخية والذاكرة السياسية المرتبطة بمفهوم الكتلة؛ فقد ظهر في سبعينيات القرن الماضي مصطلح “الكتلة الوطنية” بين حزبي الاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية لتكون بمثابة كتلة مطالب موجهة إلى الملك الراحل الحسن الثاني، قبل أن تتطور لاحقا قبيل مرحلة حكومة التناوب تحت مسمى “الكتلة الديمقراطية” التي ضمت سنة 1992 مكونات أساسية تتمثل في حزب الاستقلال، الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، التقدم والاشتراكية، ومنظمة العمل الديمقراطي الشعبي.

وقد حمل هذا التأسيس ميثاقا واضحة معالمه يرتكز على الانتقال الديمقراطي وإصلاح المؤسسات وتوازن السلط واستقلال القضاء والعدالة الاجتماعية.

وبالرغم من تغير الظروف، تظل هذه الأحزاب حاملة لإرث فكري وسياسي ومؤسساتي لا يلغيه تراجع المقاعد الانتخابية، حيث يبين الثابت التاريخي أن التحالف الحقيقي لا يُبنى لمجرد جلوس الأحزاب حول طاولة واحدة، بل يقتضي صياغة توافق حول رؤية مشتركة للدولة والمجتمع والاقتصاد.

في مقابل هذه الرمزية الشاخصة، تشهد البيئة السياسية تحولات حاسمة تغير من قواعد اللعبة مقارنة بتسعينيات القرن الماضي؛ فإذا كانت الكتلة قد تشكلت تاريخيا من موقع المعارضة والتدافع حول المطالب الكبرى، فإن التقارب الحالي يأتي من موقع إعادة تركيب الأغلبية الحكومية.

وهو تحول جوهري توج سنة 1998 بما عرف بحكومة التناوب بقيادة عبد الرحمن اليوسفي زعيم الاتحاد الاشتراكي حينها، والتي شكلت المرة الأولى التي تحصل فيها المعارضة التاريخية على قيادة الحكومة واعتبرها كثيرون تحولا ديمقراطيا حقيقيا، غير أن الانتقال إلى تدبير المؤسسات التنفيذية أبرز الفوارق بين الحسابات الحزبية والبرامج القطاعية وأثر على تماسك التحالفات مع مرور السنوات.

كما أن أحزاب الكتلة لم تعد تمتلك القوة التعبوية والاجتماعية التي كانت تمتلكها في مرحلة صعودها، وهو ما تؤكده الأرقام الانتخابية لاستحقاقات 2026 التي حصل خلال حزب الاستقلال على 65 مقعدا، والاتحاد الاشتراكي على 26 مقعدا، والتقدم والاشتراكية على 19 مقعدا ليصبح مجموع عدد مقاعد الأحزاب الثلاثة 110 مقعد.

ينضاف إلى ذلك أن المتصدر للتشكيلة هو حزب “البام” الذي كان تأسيسه بعد تجربة التناوب، سنة 2008 مما يضعه أمام اختبار إدارة تحالف يجمع مرجعيات ومسارات سياسية متعددة.

حسابيا، يمنح التكتل المكون من الأصالة والمعاصرة وأحزاب الكتلة الثلاثة، وهي الاستقلال، الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والتقدم والاشتراكية، مجموع مقاعد، يؤمن أغلبية مريحة تتجاوز عتبة الأغلبية التي يحددها الدستور في 198 مقعد.

غير أن هذا المنجز الرقمي يظل متحولا برلمانيا لا يعني آليا الانتماء لمشروع سياسي واحد؛ إذ يتوقف نجاح هذه التجربة على مدى قدرة الأطراف على تحويل التحول الرقمي إلى ثابت سياسي عبر صياغة برنامج حكومي مشترك وليس مجرد برامج حزبية مجمعة تحدد أولويات قابلة للقياس في ملفات التعليم والصحة والتشغيل، وإرساء آليات تنسيق وإدارة دقيقة للخلاف تضمن الانضباط داخل أغلبية ذات هامش عددي محدد، مع ربط المسؤولية بالمحاسبة عبر تقديم حصيلة حكومية تقاس بالنتائج الملموسة لتلبية انتظارات المواطنين.

تقف “الكتلة” اليوم أمام امتحان إعادة تعريف نفسها في مشهد سياسي جديد؛ فإذا اقتصر التحالف على جمع المقاعد وتوزيع الحقائب الوزارية، فستظل “الكتلة الحداثية” مجرد توصيف إعلامي لتحالف حكومي ظرفي يُستدعى فيه الاسم التاريخي كغلاف بلا مضمون.

أما إذا استطاعت الأطراف بناء رؤية مشتركة تتجاوز الحسابات العددية الضيقة، فقد نكون أمام بداية إعادة تركيب حقيقية لجزء من الحقل السياسي المغربي، يُستفاد فيها من درس الماضي لبناء صيغة تتوافق مع رهانات الحاضر.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *