داخل قصر المرادية.. تغييرات صامتة وأسئلة محرجة

أعادت تعيينات رئاسية جديدة في الجزائر فتح النقاش حول طبيعة تدبير السلطة داخل محيط الرئيس عبد المجيد تبون، في ظل استمرار غياب توضيحات رسمية بشأن معايير اختيار مستشاري الرئاسة وخلفيات تغيير المسؤولين عن ملفات حساسة. وتطرح هذه القرارات تساؤلات بشأن مدى حضور الشفافية والمساءلة في تدبير مركز القرار، في نظام سياسي لا يمنح الرأي العام، وفق الانتقادات الموجهة إليه، ما يكفي من المعطيات لفهم ما يجري داخل دوائر السلطة.

وبحسب العدد 75 من الجريدة الرسمية، عيّن تبون، بموجب مرسومين مؤرخين في 18 أكتوبر 2026، محمد عبد الوهاب رويعي مستشارا مكلفا بالشؤون الخاصة والتحقيقات التأهيلية، ومختار الأخضري مستشارا مكلفا بالشؤون القانونية والقضائية. وجاء ذلك بعد صدور مرسوم مؤرخ في 11 أكتوبر يقضي بإنهاء مهام أحمد زروق بصفته مكلفا بمهمة لدى رئاسة الجمهورية.

ورغم الطابع الإداري لهذه القرارات، فإن تزامنها وطبيعة المهام المسندة إلى المستشارين الجديدين يفتحان الباب أمام التساؤل عن خلفيات إعادة ترتيب بعض الوظائف داخل الرئاسة، خصوصا أن الأمر يتعلق بملفات تتصل بالجوانب الخاصة والتحقيقات التأهيلية والشؤون القانونية والقضائية. غير أن المراسيم المنشورة لا تقدم ما يكفي للجزم بوجود أزمة أمنية أو صراع داخل الرئاسة، كما لا تكشف الأسباب التي دفعت إلى هذه التغييرات.

وتكمن الإشكالية الأساسية في أن الجزائريين يطّلعون على أسماء المسؤولين الجدد ومهامهم، من دون أن تتاح لهم معلومات واضحة عن معايير اختيارهم، أو طبيعة الكفاءات التي استند إليها القرار الرئاسي، أو الحصيلة التي قدمها المسؤولون السابقون قبل مغادرتهم مناصبهم. وهكذا تتحول التعيينات إلى قرارات معلنة من حيث الشكل، بينما تظل خلفياتها وتفاصيلها بعيدة عن النقاش العمومي.

ويعيد هذا الوضع طرح سؤال جوهري بشأن طبيعة العلاقة بين السلطة والمؤسسات في الجزائر: هل تستند التعيينات داخل الدائرة الرئاسية إلى معايير مؤسساتية معلنة تتيح تقييم الكفاءة والنتائج، أم تظل رهينة تقديرات الرئيس وثقته الشخصية في المحيطين به؟ لا تقدم المراسيم وحدها جوابا حاسما عن هذا السؤال، لكنها تكشف محدودية المعلومات المتاحة للرأي العام بشأن طريقة تدبير هذه المناصب الحساسة.

وفي ظل هذا الغموض، يصبح من الصعب التمييز بين التغيير الإداري الطبيعي وإعادة ترتيب موازين النفوذ داخل السلطة. كما أن إنهاء مهام أحمد زروق لا يكشف، في حد ذاته، ما إذا كان القرار مرتبطا بتقييم أدائه، أو بتغيير الأولويات داخل الرئاسة، أو باعتبارات أخرى لم يجر الإعلان عنها.

ولا تتوقف المسألة عند حدود تعيين هذا المستشار أو إعفاء ذاك، بل تتعلق بثقافة تدبير الشأن العام ومدى استعداد السلطة لتقديم توضيحات بشأن قراراتها. فالمساءلة لا تعني التشكيك المسبق في كفاءة المسؤولين المعينين، وإنما تقتضي إتاحة المعلومات التي تسمح بتقييم أسباب الاختيار والنتائج المنتظرة من كل تعيين.

وتواجه السلطة الجزائرية، في هذا السياق، انتقادات متكررة بشأن محدودية الشفافية في تدبير الملفات السياسية الحساسة، إذ إن الإعلان عن القرارات من دون شرح خلفياتها يترك المجال مفتوحا للتأويلات، ويضعف قدرة الرأي العام على متابعة أداء المؤسسات ومساءلة المسؤولين.

وفي نهاية المطاف، لا تكمن المشكلة في تغيير المستشارين، فذلك من صلاحيات الرئاسة، وإنما في غياب معطيات كافية تشرح لماذا اختير هؤلاء، ولماذا غادر غيرهم، وما المعايير المعتمدة لقياس أدائهم. وبينما تواصل الرئاسة الجزائرية إصدار قرارات التعيين والإعفاء، يبقى السؤال مطروحا حول مدى استعداد النظام لتكريس حق المواطنين في معرفة كيفية تدبير شؤون الدولة، بدل الاكتفاء بإبلاغهم بالقرارات بعد اتخاذها.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *