لا تبدو المنافسة الانتخابية في جهة الداخلة وادي الذهب هذه المرة شبيهة بما عرفته الاستحقاقات السابقة. فمحدودية التمثيلية البرلمانية للجهة، التي لا تتجاوز مقعدين بمجلس النواب، تجعل من كل مقعد رهانا سياسيا بالغ الحساسية، وترفع من تكلفة أي خطأ في تدبير الترشيحات أو بناء التحالفات. لذلك، تحولت الداخلة، مع اقتراب انتخابات 23 شتنبر، إلى إحدى أكثر الدوائر الانتخابية استقطاباً للاهتمام السياسي والإعلامي، بالنظر إلى ما يمكن أن تكشف عنه نتائجها من مؤشرات حول مستقبل التوازنات الحزبية بالأقاليم الجنوبية.
![]()
ولئن كانت الانتخابات التشريعية، في جوهرها، آلية للتنافس الديمقراطي حول التمثيلية، فإن خصوصية الداخلة تجعلها تتجاوز هذا البعد التقليدي. فالجهة لم تعد مجرد فضاء محلي للتنافس على المقاعد البرلمانية، بل أصبحت مجالاً يعكس التحولات التي تعرفها الأقاليم الجنوبية في بعدها السياسي والتنموي والاستراتيجي، خاصة في ظل الدينامية التي يشهدها ملف الصحراء المغربية، والاستعداد للانتقال إلى مرحلة تنزيل مشروع الحكم الذاتي. ومن ثم، فإن أي تحول في موازين القوى داخل هذه الدائرة الانتخابية يكتسب دلالات وطنية تتجاوز حدود الجهة.
ضمن هذا السياق، تبرز التحركات الحزبية الأخيرة باعتبارها مؤشراً على إعادة ترتيب المشهد السياسي. فالتحاق ينجا الخطاط بحزب الأصالة والمعاصرة، بعد مسار داخل حزب الاستقلال، مقابل انتقال امبارك حمية إلى حزب الاستقلال قادماً من حزب التجمع الوطني للأحرار، لا يمكن اختزاله في مجرد انتقال أفراد بين التنظيمات السياسية. فمثل هذه التحولات تعكس، في جوهرها، سعي الأحزاب إلى إعادة بناء توازناتها واستقطاب شخصيات تمتلك امتداداً انتخابياً واجتماعياً، بما يعزز موقعها في دائرة انتخابية تُعد من أكثر الدوائر حساسية في البلاد.
ومن منظور علم الجغرافية السياسية لا تُقرأ الانتقالات الحزبية في الأقاليم الجنوبية باعتبارها قرارات فردية فحسب، وإنما باعتبارها تعبيراً عن إعادة تموقع للنخب المحلية داخل شبكة معقدة من المصالح والتحالفات. فالبنية الاجتماعية والسياسية بالداخلة تجعل من العلاقات القبلية، والامتداد الاجتماعي، ورصيد الثقة الذي يملكه الفاعلون المحليون، عناصر مؤثرة في تشكيل السلوك الانتخابي، إلى جانب الانتماء الحزبي. ولذلك، فإن انتقال شخصية ذات وزن انتخابي قد يؤدي إلى إعادة تشكيل تحالفات كاملة، وليس فقط إلى تعزيز رصيد حزب معين.
ويبدو أن حزب الأصالة والمعاصرة يراهن، من خلال استقطاب ينجا الخطاط، على تعزيز حضوره في جهة تشهد تنافساً متزايداً بين القوى السياسية الكبرى، في حين يسعى حزب الاستقلال إلى إعادة بناء نفوذه المحلي عبر استقطاب امبارك حمية، بما يسمح له بالحفاظ على موقعه في معادلة التنافس. أما حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي راكم حضوراً مؤثراً خلال السنوات الأخيرة، فيجد نفسه أمام تحدي المحافظة على موقعه في مواجهة إعادة اصطفاف منافسيه. وهكذا، فإن المنافسة لم تعد ثنائية بين حزبين، بل تحولت إلى صراع ثلاثي بين أحزاب تمتلك جميعها طموح قيادة المشهد السياسي بالجهة.
ويكتسب هذا التنافس حدة إضافية بسبب محدودية عدد المقاعد البرلمانية. فحين تتنافس ثلاث قوى سياسية رئيسية على مقعدين فقط، تصبح كل حركة سياسية مؤثرة، وكل تحالف قابلاً لتغيير النتائج. لذلك، فإن ما يجري في الداخلة لا يعكس فقط تنافساً انتخابياً عادياً، بل يمثل صراعاً على إعادة توزيع النفوذ السياسي داخل واحدة من أكثر الجهات حساسية من الناحية الجيوسياسية.
ومع ذلك، فإن اختزال المشهد في انتقالات الأعيان وحدها يبقى قراءة قاصرة. فالتحولات الانتخابية الحديثة أظهرت أن قوة المرشح لم تعد تُقاس فقط برصيده الاجتماعي أو القبلي، وإنما أيضاً بقدرة الحزب على تقديم مشروع سياسي مقنع، وبحصيلة المنتخبين في تدبير الشأن العام، وبمدى استجابة البرامج الحزبية لانتظارات المواطنين. ومن ثم، فإن الانتقالات الحزبية، مهما بلغت أهميتها، تظل عاملاً من بين عوامل متعددة تتحكم في تشكيل الخريطة الانتخابية.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو الداخلة مرشحة لأن تكون إحدى أكثر الدوائر الانتخابية متابعة خلال استحقاقات 2026، ليس فقط بسبب شدة المنافسة، وإنما لأنها تمثل نموذجاً مصغراً للتحولات التي تعرفها الأقاليم الجنوبية. ومن هذا المنطلق، يمكن وصفها بـ”دائرة الموت الانتخابية”، ليس بمعنى الإقصاء السياسي، وإنما بمعنى أن ضيق هامش الفوز، وقوة المنافسة، وسرعة تغير التحالفات، تجعل أي خطأ في الحسابات الانتخابية كفيلاً بإخراج أحد الفاعلين الرئيسيين من دائرة التأثير السياسي.
انطلاقا من هذه المعطيات، اقول ما تعرفه الداخلة اليوم لا يعكس مجرد إعادة توزيع للانتماءات الحزبية، بل يؤشر إلى مرحلة جديدة من إعادة تشكيل النخب السياسية بالأقاليم الجنوبية. وستكون نتائج انتخابات 23 شتنبر اختباراً حقيقياً لمدى قدرة الأحزاب على تحويل رهانات الاستقطاب وإعادة الاصطفاف إلى شرعية انتخابية، وعلى بناء تحالفات مستقرة قادرة على مواكبة التحولات السياسية والتنموية التي تعرفها المنطقة. لذلك، قد لا تكون المعركة في الداخلة معركة على مقعدين برلمانيين فحسب، بل معركة على من يمتلك القدرة على قيادة المرحلة السياسية المقبلة في واحدة من أكثر الجهات أهمية داخل المشروع الوطني لتثبيت النموذج التنموي وتعزيز مسار الحكم الذاتي.