مع اقتراب ساعة الحسم في 23 شتنبر 2026، تشهد أحزاب الأغلبية الحكومية حالة من التصدع غير المسبوق، حيث تحولت الخلافات بينها من مجرد تجاذبات سياسية إلى حرب استقطابات واتهامات متبادلة، بينما تراقب المعارضة المشهد وتستعد لاستغلال الفراغ الناتج عن انشغال الحلفاء بتصفية حساباتهم الداخلية.
في مشهد يعيد تعريف مفهوم “الأغلبية” في المغرب، لم تعد التلاسنات بين مكونات التحالف الحكومي مجرد خرجات عابرة، بل تحولت إلى معركة مكشوفة تسبق الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026. فبعدما كان التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال يشكلون كتلة واحدة منذ 2021، بدأت ملامح الشرخ تطفو بقوة على السطح، وكأن أحزاب الأغلبية تدرك أن موعد الاقتراع سيحسم ليس فقط هوية الحكومة المقبلة، بل أيضا مصير تحالفاتها الحالية.
التراشق يتجاوز حدود الأدب السياسي
قبل نحو ثلاثة أشهر من موعد الاقتراع، أقدم حزب الاستقلال على كسر الصمت الذي طالما راكمته مكونات الأغلبية، حين هاجم الأمين العام نزار بركة ما وصفه بـ “المضاربين” الذين يستفيدون من ارتفاع الأسعار، في إشارة غير مباشرة إلى سياسات حكومية.
ولم تنتظر قيادات التجمع الوطني للأحرار طويلا قبل الرد، على لسان رئيس مجلس النواب رشيد الطالبي العلمي، خلال حلوله على برنامج للحديث بقية على القناة الأولى، حيث تساءل العلمي “عمن يدبر التجارة الداخلية بالمغرب؟”، في إشارة إلى وزير التجارة والصناعة المنتمي للاستقلال الذي يتحمل مسؤوليتها، موردا قوله بأن بركة “يتحدث عن نفسه”، في موقف كشف عن عمق الخلاف داخل الائتلاف الحاكم.
المهاجري يطلق النار وأخنوش في مرمى الانتقادات
قبل أيام من موعد الاقتراع، وسع هشام المهاجري، القيادي في حزب الأصالة والمعاصرة، جبهة النقد ليطال رئيس الحكومة عزيز أخنوش مباشرة. فقد هاجم المهاجري طريقة تعامل أخنوش مع ملف زلزال الحوز، معتبرا أن رئيس الحكومة يحاول توظيف كارثة طبيعية لأغراض انتخابية، عندما جلس مع متضرري الزلزال في إطار ما وصفه المهاجري بـ “منّة انتخابية”، مستغربا “كيف يمكن أن يربط أخنوش معالجة مطالب المواطنين بدعم مرشح حزبه في الاستحقاقات الجزئية”.
وهذه ليست المرة الأولى التي يتصادم فيها “البام” و”الأحرار” بهذا الشكل، إذ سبق للمهاجري أن انتقد سياسة الحكومة الفلاحية في اشتوكة، ووصف تناقضها الصارخ مع أوضاع العمال الزراعيين، في رد فعله على زيارة وزير الفلاحة محمد صديقي للمنطقة.
كسر الاتفاق و”حرب الاستقطابات”
لكن ما يجري في الأسابيع الأخيرة يتجاوز الخلافات التصريحية إلى معارك فعلية على الأرض. فقد كشفت مصادر إعلامية أن أحزاب الأغلبية كسرت اتفاقا غير مكتوب كانت قد التزمت به منذ تشكيل الائتلاف، يقضي بعدم استقطاب المنتخبين والقيادات من بعضها البعض.
غير أن حسابات انتخابات شتنبر 2026 دفعت هذه الأحزاب إلى بدء حرب مكشوفة لجذب الكفاءات من حلفائها، مع تركيز خاص على المنتخبين المحليين القادرين على حشد الأصوات.
وتشير المعطيات إلى أن التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة هما الأكثر نشاطا في هذا الملف، مع عمليات استقطاب تجري في مدن مثل طنجة والقنيطرة والخميسات وسيدي سليمان.
ومعروف أن انتخابات 2021 شهدت انتقالا كبيرا للمنتخبين المحليين من البام والاستقلال نحو الأحرار، والآن يعيد التاريخ نفسه مع تحولات قد تكون أكثر عنفا.
حرب التزكيات اشتعال قبل الاقتراع
غير أن حرب الاستقطابات لا تتوقف عند حدود الصفقات بين الأحزاب، بل تتسرب إلى داخل التنظيمات نفسها؛ فمع اقتراب موعد إغلاق لوائح الترشيح، تحولت عملية اختيار المرشحين إلى واحدة من أكثر الملفات حساسية، حيث تتصارع القواعد والمناضلون والمنتخبون الحاليون على المواقع الأولى في اللوائح، في وقت تسعى فيه الأحزاب إلى اختيار أسماء قادرة على استقطاب الأصوات.
وتصل هذه التنافسات أحيانا إلى حدود الطعون والاستقالات، كما حدث داخل الاتحاد الاشتراكي حول التزكيات الجهوية النسائية.
هل الأغلبية في طريقها للانفكاك؟
ويرى مراقبون أن ما يجري هو محاولة من أحزاب الأغلبية المشاركة في تدبير السياسات العمومية للتملص من المسؤولية المشتركة في تدبير السياسات العمومية، مشيرين إلى أن حالة التراشق السياسي الحاد هو إعلان صريح لفك الارتباط بين مكونات الأغلبية التي كانت “تغازل” بعضها البعض إلى وقت قريب، فيما أكد متابعون أن العدل التنازلي ليوم الاقتراع سيزيد من حدة التوتر والهجوم المتبادل بين هذه الأحزاب.
ومع اقتراب ساعة الحسم في 23 شتنبر 2026، تبقى التساؤلات مفتوحة، عما ن كانت أحزاب الأغلبية ستتمكن من تجاوز خلافاتها بعد الانتخابات، أم أن هذه المعركة التي تخوضها اليوم ضد بعضها البعض ستكون بداية النهاية لتحالف سياسي تشكل قبل خمس سنوات فقط؟