حزب الحمامة بين تجديد القيادة و استمرارية المشروع السياسي

تُعدّ لحظات انتقال القيادة داخل الأحزاب السياسية من أكثر المحطات دلالة على نضجها التنظيمي وقدرتها على الاستمرار. ففي مثل هذه المنعطفات لا يكون السؤال الحقيقي هو من يتولى القيادة، بقدر ما يكون: هل يمتلك الحزب من القوة المؤسسية ما يجعله قادراً على مواصلة مساره بعيداً عن منطق الزعامة الفردية؟ وهل يستطيع أن يحول التداول على المسؤولية إلى فرصة للتجديد، لا إلى سبب للارتباك أو الانقسام؟ ومن هنا فإن قيمة الأحزاب لا تُقاس فقط بما تحققه من نتائج انتخابية أو بما تمتلكه من قيادات كاريزمية، وإنما بقدرتها على بناء مؤسسات مستقرة، وإنتاج نخب جديدة، والمحافظة على استمرارية مشروعها السياسي في ظل تغير الأشخاص والظروف.
في هذا السياق، يفرض حزب التجمع الوطني للأحرار، المعروف شعبياً بـ”حزب الحمامة”، نفسه نموذجاً يستحق التوقف عنده بعد مؤتمره الوطني الثامن لسنة 2026، الذي أفرز قيادة جديدة برئاسة محمد الشوكي خلفاً لعزيز أخنوش. فهذه المحطة لا يمكن اختزالها في مجرد انتقال تنظيمي، بل تمثل لحظة سياسية ذات دلالات أعمق، لأنها تطرح سؤال المأسسة داخل الأحزاب المغربية، وقدرتها على الجمع بين استمرارية المشروع وتجدد القيادة، في سياق وطني يتسم بارتفاع انتظارات المواطنين، وتسارع التحولات الاقتصادية والاجتماعية.
لقد استقرت أدبيات العلوم السياسية، خاصة ضمن المدرسة المؤسساتية الحديثة، على أن الأحزاب الراسخة هي تلك التي تنجح في بناء مؤسسات تتجاوز الأشخاص. ويذهب عالم السياسة الأمريكي صمويل هنتنغتون إلى أن المأسسة هي العملية التي تكتسب من خلالها التنظيمات السياسية الاستقرار والشرعية والقدرة على التكيف مع المتغيرات، بحيث تصبح قادرة على الاستمرار حتى مع تغير القيادات. وبهذا المعنى، فإن الحزب الذي يرتبط وجوده بشخص واحد يظل معرضاً للاهتزاز بمجرد غيابه، بينما الحزب المؤسسي يمتلك من القواعد التنظيمية والثقافة الداخلية ما يسمح له بإعادة إنتاج قياداته ومواصلة مشروعه دون انقطاع.
ومن هذا المنظور، تبدو تجربة حزب التجمع الوطني للأحرار ذات دلالة خاصة. فمنذ تأسيسه سنة 1978، عرف الحزب تعاقب عدد من القيادات التي أدارت مراحله المختلفة، واستطاع، رغم اختلاف السياقات السياسية، أن يحافظ على استمرارية تنظيمه، وأن يعيد صياغة أولوياته وفق متطلبات كل مرحلة. وهذا التعاقب لم يكن مجرد تغيير في الأسماء، بل مثّل عملية تراكمية أسهمت في تطوير التنظيم، وتوسيع حضوره، وتعزيز قدرته على التكيف مع التحولات التي عرفها المشهد السياسي المغربي.
ولا يمكن فهم المرحلة الحالية بمعزل عن هذا المسار التاريخي الممتد لأكثر من أربعة عقود. فقد نشأ الحزب في سياق سياسي خاص، ثم تطور تدريجياً ليصبح أحد الفاعلين الرئيسيين في الحياة السياسية المغربية، مستنداً إلى رؤية تقوم على الوسطية، وتشجيع الكفاءات، واعتماد مقاربة براغماتية في تدبير الشأن العام. وخلال هذا المسار، عرف الحزب فترات مشاركة في الحكومة وأخرى في المعارضة، كما شهد مراجعات تنظيمية وفكرية مكنته من توسيع قاعدته الاجتماعية وتجديد خطابه السياسي، دون أن يفقد هويته الأساسية.
ومع تولي عزيز أخنوش قيادة الحزب سنة 2016، دخل التنظيم مرحلة جديدة اتسمت بإعادة هيكلة مؤسساته، وتقوية حضوره الميداني، والانفتاح على الشباب والكفاءات، واعتماد أساليب حديثة في التواصل والتأطير. وقد انعكست هذه الدينامية على نتائج انتخابات 2021، التي تصدر خلالها الحزب المشهد السياسي وقاد الحكومة. غير أن هذه النتيجة لا يمكن تفسيرها باعتبارها نتاج ظرف انتخابي عابر، وإنما بوصفها حصيلة مسار طويل من البناء التنظيمي والتراكم السياسي والعمل الميداني.
واليوم، يأتي انتقال القيادة إلى محمد الشوكي ليؤكد أن الحزب يسعى إلى ترسيخ ثقافة التداول المؤسساتي، حيث تم الانتقال في إطار مؤتمر وطني وآليات تنظيمية واضحة، بما يعكس احترام القواعد الداخلية ويعزز صورة الحزب كمؤسسة سياسية تتجاوز الأفراد. فالتغيير هنا لم يكن إعلاناً عن قطيعة مع المرحلة السابقة، وإنما تعبيراً عن إرادة في استكمال المشروع السياسي مع إضفاء نفس جديد ينسجم مع متطلبات المرحلة المقبلة.
وتشير الخطابات الأولى للقيادة الجديدة إلى استمرار الاهتمام بالقضايا الاجتماعية، وتعزيز سياسة القرب والإنصات للمواطنين، ومواصلة الرهان على التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يعكس حرص الحزب على الجمع بين الوفاء لمرجعياته والانفتاح على آفاق جديدة للتطوير. فالاستمرارية، في هذا السياق، لا تعني الجمود، كما أن التجديد لا يعني القطيعة، وإنما يشكلان معاً شرطاً أساسياً لاستمرار أي تنظيم سياسي يسعى إلى المحافظة على حضوره وفاعليته.
غير أن الأحزاب السياسية لا تستمد مشروعيتها من متانة تنظيمها فقط، بل من قدرتها على جعل الإنسان محوراً لسياساتها وبرامجها. فالسياسة، في جوهرها، ليست مجرد منافسة على السلطة، وإنما مسؤولية أخلاقية ومجتمعية تستهدف تحسين شروط العيش، وصيانة الكرامة الإنسانية، وتوسيع فرص العدالة الاجتماعية. ومن هذا المنطلق، يكتسب التركيز على المواطن والأسرة أهمية خاصة، باعتباره يعكس تصوراً يجعل التنمية الاجتماعية في قلب المشروع السياسي.
وقد شهدت السنوات الأخيرة إطلاق عدد من الأوراش الاجتماعية الكبرى، وفي مقدمتها تعميم الحماية الاجتماعية، وتوسيع التغطية الصحية، وتعزيز برامج الدعم الاجتماعي، وهي أوراش تمثل تحولات مهمة في السياسات العمومية. غير أن قيمتها الحقيقية تظل مرتبطة بمدى قدرتها على تحقيق أثر ملموس في حياة المواطنين، لأن نجاح أي تجربة سياسية يقاس بقدرتها على تحويل الوعود والبرامج إلى نتائج يشعر بها المجتمع في حياته اليومية.
وفي المقابل، فإن القراءة الموضوعية تقتضي الإقرار بأن المرحلة الجديدة لا تخلو من تحديات حقيقية. فالقيادة الجديدة مطالبة بالحفاظ على تماسك الحزب، وتجديد نخبه، وتعزيز حضوره الميداني، وتقديم أجوبة عملية عن الإكراهات الاقتصادية والاجتماعية، فضلاً عن الاستعداد للاستحقاقات الانتخابية المقبلة في ظل منافسة سياسية متزايدة وارتفاع سقف انتظارات المواطنين. كما أن التجربة ستظل، بطبيعة الحال، موضوعاً للنقاش العمومي والنقد السياسي، وهو أمر طبيعي في أي ممارسة ديمقراطية، لأن قوة الأحزاب لا تكمن في غياب الاختلاف، وإنما في قدرتها على إدارة التنوع الداخلي وتدبير النقاش في إطار المؤسسات.
إن تجربة حزب التجمع الوطني للأحرار في هذه المرحلة تمثل، بصرف النظر عن اختلاف التقديرات السياسية حولها، نموذجاً جديراً بالدراسة في سياق تطور الحياة الحزبية المغربية. فهي تعكس محاولة لترسيخ منطق المؤسسة، وتعزيز ثقافة التداول، وربط استمرارية المشروع السياسي بتجدد القيادة، بما ينسجم مع متطلبات الدولة الحديثة وأسس الممارسة الديمقراطية. غير أن نجاح هذا المسار سيظل رهيناً بقدرة القيادة الجديدة على تحويل الاستمرارية التنظيمية إلى تجديد سياسي حقيقي، يستجيب للتحولات المجتمعية، ويعزز الثقة في العمل الحزبي، ويجعل المواطن، بالفعل لا بالشعار، محور السياسات والبرامج.
وفي نهاية المطاف، يبقى الحكم الفصل بيد المجتمع والناخب المغربي، باعتباره المصدر الحقيقي للشرعية الديمقراطية. فهو وحده من يملك تقييم حصيلة الأحزاب، وقياس مدى وفائها لالتزاماتها، والحكم على قدرتها على تحويل التداول على القيادة إلى قيمة مؤسسية تعزز البناء الديمقراطي وتخدم التنمية. فالتاريخ السياسي لا يحتفظ بأسماء القادة بقدر ما يحتفظ بالتجارب التي نجحت في بناء مؤسسات قوية، وتجديد نخبها، وجعل خدمة الوطن والمواطن غايتها الأولى، وهي الغاية التي تمنح لأي مشروع سياسي معناه الحقيقي واستمراريته.

تداول القيادة بحرب التجمع الوطني للاحرار  يعد نموذجا بالمشهد الحزبي المغربي، غادر اخنوش قيادة الحرب وفق المساطر القانونية، وتحمل من  بعده محمد الشوكي القيادة بطريقة سلسة تبرهن على نضج حزب التجمع الوطني للاحرار التنظيمي وقدرته على الاستمرار مهما تغيرت القيادات والسياقات.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *