على هامش بلاغ الداخلية..الأمن لم يعد يبدأ عند الحدود بل من الفضاء الرقمي..

لم يكن البلاغ الذي أصدرته وزارة الداخلية عقب أحداث سبتة المحتلة مجرد بيان لتوضيح وقائع ميدانية، بل كان تدخلاً سياسياً وتواصلياً محسوباً، يعكس إدراك الدولة أن إدارة الأزمات لم تعد تقتصر على التدخل الأمني، وإنما أصبحت تمتد إلى إدارة الإدراك العام. ففي عصر المنصات الرقمية، لا تتنافس الدول على احتواء الأحداث فحسب، بل تتنافس أيضاً على تفسيرها، لأن من ينجح في بناء السردية الأكثر إقناعاً يربح جانباً مهماً من معركة الشرعية والثقة.

من هذه الزاوية، يمكن قراءة البلاغ باعتباره محاولة لاستعادة المبادرة في لحظة كانت الروايات تتكاثر فيها بوتيرة أسرع من تطور الوقائع نفسها. فقد اختارت وزارة الداخلية أن تملأ الفراغ المعلوماتي بسرعة، انطلاقاً من قناعة مفادها أن الصمت في زمن الاتصال الفوري لا يعني الحياد، بل يسمح لروايات أخرى بأن تتحول تدريجياً إلى حقائق في وعي الرأي العام.

ولعل أبرز ما يلفت الانتباه في البلاغ أنه لم يقدم ما جرى باعتباره مجرد محاولة عبور جماعي، بل وضعه ضمن سياق أوسع يربط بين التحريض الرقمي، والأخبار المضللة، ونشاط شبكات الاتجار بالبشر. وهنا تتجلى رسالة تتجاوز الحدث نفسه، مفادها أن التهديدات الأمنية لم تعد تبدأ عند الحدود، بل قد تبدأ من شاشة هاتف، أو من حساب مجهول على منصة اجتماعية، أو من حملة رقمية قادرة على تعبئة مئات الأشخاص في وقت وجيز.

 

إنها رسالة تكشف عن تحول واضح في مفهوم الأمن. فالدولة لم تعد تنظر إلى الفضاء الرقمي باعتباره مجالاً منفصلاً عن الأمن، بل باعتباره امتداداً له. ولذلك أصبح الأمن اليوم أكثر تعقيداً مما كان عليه قبل عقد من الزمن، لأنه لم يعد يقتصر على مراقبة الحدود أو تفكيك الشبكات الإجرامية، بل أصبح يشمل أيضاً مواجهة التضليل، والحد من قدرة الفضاء الرقمي على التحول إلى أداة لتصنيع الأزمات.

غير أن البلاغ لم يكن موجهاً إلى الداخل فقط، بل حمل خطاباً موجهاً أيضاً إلى الشركاء الأوروبيين. فقد حرص المغرب على التأكيد، مرة أخرى، أنه لا يمارس دور “حارس الحدود” بالنيابة عن أوروبا، وإنما يقوم بدور شريك يتحمل مسؤولية مشتركة في مواجهة ظاهرة عابرة للحدود. وهي رسالة تعكس حرص الرباط على إعادة تعريف موقعها داخل معادلة الهجرة، باعتبارها فاعلاً إقليمياً لا مجرد منفذ للسياسات الأوروبية.

ومع ذلك، فإن قوة الخطاب الأمني لا ينبغي أن تحجب حقيقة أخرى لا تقل أهمية. فالهجرة غير النظامية ليست مجرد نتيجة لنشاط شبكات إجرامية أو لحملات تضليل إلكتروني، وإنما هي أيضاً انعكاس لاختلالات اجتماعية واقتصادية تدفع عدداً من الشباب إلى الاعتقاد بأن المستقبل يوجد خارج الوطن. فمن يغامر بحياته لا يفعل ذلك لأنه يجهل المخاطر، بل لأنه يرى أن كلفة البقاء أصبحت، في نظره، أكبر من كلفة المغادرة.

وهنا تكمن حدود أي مقاربة أمنية، مهما بلغت نجاعتها. فالنجاح في إحباط محاولات العبور لا يعني بالضرورة النجاح في تقليص الرغبة في الهجرة. وبين الأمرين فرق جوهري؛ إذ يمكن للدولة أن تمنع العبور في لحظة معينة، لكنها لا تستطيع إنهاء الظاهرة بصورة مستدامة ما لم تُعالج الأسباب التي تدفع إليها.

ولا أحد يجادل في أن المغرب راكم خلال السنوات الأخيرة خبرة مهمة في مكافحة شبكات الاتجار بالبشر، وأصبح شريكاً أساسياً في تدبير الهجرة على المستوى الإقليمي. غير أن هذا النجاح الأمني يحتاج إلى أن يواكبه نجاح تنموي يحد من البيئة التي تستثمر فيها شبكات التهريب. فكلما اتسعت فرص الشغل، وتحسن الاندماج الاقتصادي، وتعززت العدالة المجالية، تراجعت قدرة تلك الشبكات على استقطاب الشباب وتسويق أوهامها.

لذلك، فإن القيمة الحقيقية لبلاغ وزارة الداخلية لا تكمن فقط في تثبيت الرواية الرسمية لما جرى، بل في كونه يعكس انتقال الدولة من منطق تدبير الحدث إلى منطق تدبير السردية. فالأزمات الحديثة لا تُدار في الميدان وحده، وإنما تُدار أيضاً داخل الفضاء الرقمي، حيث تُصنع الصور الذهنية وتُبنى المواقف السياسية.

لكن كسب معركة السرد، على أهميته، لا يغني عن كسب معركة التنمية. فالرواية الرسمية تستطيع أن تفسر ما وقع، لكنها لا تستطيع وحدها أن تمنع تكراره. وما يمنع تكرار مثل هذه المشاهد هو بناء سياسات عمومية تجعل الهجرة خياراً استثنائياً لا حلماً جماعياً، وتجعل الثقة في المستقبل أقوى من الإغراء الذي تبيعه شبكات الاتجار بالبشر.

لذلك نقول، تبدو أحداث سبتة تذكيراً بأن الأمن والتنمية لم يعودا مسارين منفصلين، بل أصبح كل منهما شرطاً لنجاح الآخر. فحماية الحدود ضرورة سيادية لا نقاش فيها، غير أن حماية الأمل داخل المجتمع هي الضمانة الأكثر استدامة للأمن نفسه. وعندما ينجح أي بلد في تقليص عدد الذين يفكرون في مغادرته، يكون قد حقق أحد أهم مؤشرات قوة الدولة، ليس فقط لأنها أحكمت مراقبة حدودها، بل لأنها عززت ثقة مواطنيها في أن مستقبلهم يمكن أن يُصنع داخلها، لا خارجها.

وهذا ما تضمنه الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش ليلة امس الذي قال فيه جلالته :”إننا نعيش اليوم، مرحلة فاصلة في المسار التنموي ببلادنا، حيث يجب أن تسود روح الثقة والتفاؤل، على خطابات اليأس والإحباط.”

belcadi@belpresse.com

 

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *