الجزائر وفرنسا: هل ستظل حقوق الإنسان غائبة في العلاقات المستقبلية؟

في وقت تشهد فيه العلاقات بين باريس والجزائر تحولات دبلوماسية، أصدرت ثلاث منظمات تمثل الجالية الجزائرية في فرنسا رسالة مفتوحة إلى الحكومة الفرنسية، تدعو فيها إلى جعل حقوق الإنسان محورًا أساسيًا في أي علاقات مستقبلية مع النظام الجزائري، الذي يواصل انحداره نحو مزيد من الاستبداد والقمع.

المنظمات الثلاث، وهي «ريبوست أنترناسيونال»، و«من أجل بديل ديمقراطي في الجزائر»، و«ثورة الابتسامة»، نددت بما وصفته بـ”الصمت الدولي المريب” تجاه الانتهاكات الجسيمة التي تطال مئات من معتقلي الرأي في الجزائر، في وقت تركز فيه فرنسا على القضايا الأمنية والمصالح السياسية على حساب المبادئ الديمقراطية.

وتأتي هذه الرسالة في وقت حساس، حيث تسعى باريس والجزائر إلى طيّ صفحة من التوترات الدبلوماسية دون معالجة الأسباب الجوهرية للأزمة، وعلى رأسها قضية الحريات العامة.

وقد دقت المنظمات ناقوس الخطر بشأن تدهور الحريات في الجزائر، مشيرة إلى أن “احترام حقوق الإنسان لم يعد أولوية في بلاد الشهداء، بل أصبح مجرد ذكرى بعيدة”، في ظل تصاعد الاعتقالات التعسفية والمضايقات ضد النشطاء والصحافيين والمثقفين. من بين هؤلاء الكاتب الجزائري الفرنسي بوعلام صنصال، الذي اعتُقل تعسفياً في نوفمبر الماضي، وأصبح ورقة ضغط دبلوماسي في يد النظام الجزائري.

كشفت الرسالة أيضًا أن السلطات الجزائرية حاولت استغلال قضية صنصال كوسيلة للمساومة، حيث عرضت إطلاق سراحه مقابل تسليم معارضين مقيمين في فرنسا، وهو ما اعتبرته المنظمات “ابتزازًا غير مقبولًا” رفضته باريس، مؤكدة أن مثل هذه المساومات لا يجب أن تكون أساسًا لإعادة بناء العلاقات الثنائية.

وحذرت المنظمات من “سياسة الكيل بمكيالين”، حيث لا يمكن حصر الدفاع عن حقوق الإنسان في حالة فردية فقط، بينما يتم تجاهل أكثر من 250 معتقلًا آخرين، بينهم الشاعر محمد تجاديت، والأستاذة الجامعية ميرا مقناش، والناشطة عبلة قماري، والصحافي عبد الوكيل بلام، بالإضافة إلى العديد من مزدوجي الجنسية المحتجزين بشكل تعسفي دون محاكمات عادلة.

كما أشارت المنظمات إلى أن الجزائر أصبحت “سجنًا مفتوحًا” تُقيَّد فيه حرية التنقل، حيث يُمنع المواطنون من مغادرة البلاد أو العودة إليها دون قرارات قضائية. ونددت باستخدام النظام لهذه السياسات كأداة لمعاقبة المعارضين في الخارج، في حين يتم التساهل مع المقربين من السلطة الذين يتمتعون بحرية التنقل ويروجون لخطاب النظام خارج البلاد.

وتطرقت الرسالة إلى القوانين القمعية التي أقرها النظام الجزائري منذ عام 2019، والتي تقيد النشاطات الجمعوية والنقابية والصحافية والسياسية، مما يجعل الجزائر تتحول تدريجياً إلى دولة بوليسية تراقب كل شيء، من الإعلام إلى الجامعات، وتخنق أي مساحة للنقاش أو التعبير.

وطالبت المنظمات الحكومة الفرنسية بضرورة اتخاذ موقف واضح، وعدم التغاضي عن هذه الانتهاكات، مؤكدة أن “الهجمات على الحريات ليست حوادث عابرة، بل جزء من استراتيجية ممنهجة لإسكات أي احتجاج”.

وختمت الرسالة بالقول إن “مستقبل العلاقات بين فرنسا والجزائر يتطلب إعادة توازن حقيقي مبني على الاحترام المتبادل والشفافية، بعيدًا عن الحسابات السياسية والمصالح الضيقة”. وأضافت أنه إذا استمر تجاهل هذه الانتهاكات، فإن السجن أو المنفى سيبقيان الخيار الوحيد أمام المواطنين الجزائريين.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *