في ظرف لم يتجاوز أياماً قليلة، انتقل منير الليموري من واجهة المشهد المحلي في طنجة إلى قلب قضية قضائية هزت المدينة، في واحدة من أكثر النهايات إثارة لمسار سياسي بدأ قبل سنوات من بوابة الاقتصاد والأعمال، وانتهى مؤقتاً خلف أسوار السجن على خلفية ملف مرتبط بالانتخابات التشريعية الأخيرة.
الليموري، المزداد بمدينة طنجة سنة 1974، لم يكن اسماً طارئاً على تدبير الشأن العام. فقد راكم تجربة في عالم المقاولات، وسبق له أن كان عضواً بمجلس جهة طنجة-تطوان-الحسيمة وبالغرفة الجهوية للصناعة التقليدية، كما تولى رئاسة هذه الأخيرة، قبل أن يصل سنة 2021 إلى رئاسة مجلس جماعة طنجة. وعلى المستوى الحزبي، ظل منذ 2012 منسقاً إقليمياً لحزب الأصالة والمعاصرة بعمالة طنجة-أصيلة.
وعندما تولى عمودية طنجة، وجد أمامه مدينة كبيرة بانتظارات ضخمة وملفات متشعبة. وأقر مجلس الجماعة، برئاسته، برنامج عمل للفترة 2022-2027، يتضمن خمسة محاور استراتيجية و16 برنامجاً و185 مشروعاً، بكلفة إجمالية تفوق 24.6 مليار درهم، وهو ما عكس حجم الرهانات التي ارتبطت بتجربته على رأس الجماعة.
لكن صورة العمدة ورجل الأعمال والمسؤول الحزبي ستتغير بشكل دراماتيكي مع انتخابات 23 شتنبر 2026. فقد انفجرت بطنجة قضية مرتبطة بأوراق انتخابية عُثر عليها بمحيط مؤسسة القدس، قبل أن تتوسع الأبحاث الأمنية والقضائية ويظهر اسم الليموري ضمن التحقيقات باعتباره مسؤولاً عن الحملة الانتخابية لحزب الأصالة والمعاصرة في طنجة.
وفي 28 شتنبر، توقفت رحلة الليموري عند مطار ابن بطوطة بطنجة، بعدما أوقفته المصالح الأمنية إثر عودته من إسبانيا، حيث كان موضوع مذكرة بحث في إطار الأبحاث الجارية في الملف. وكان الليموري قد نفى، في تصريح سابق، أن تكون مغادرته المغرب مرتبطة بالفرار من التحقيق، مؤكداً أنه سيعود إلى البلاد ويمثل أمام السلطات لتقديم توضيحاته.
بعد ذلك، دخل الملف مرحلة أكثر حساسية، بعدما قررت النيابة العامة وضعه تحت الحراسة النظرية، ثم تمديدها، قبل إحالته على الوكيل العام للملك بمحكمة الاستئناف بطنجة. وفي فاتح أكتوبر، قررت النيابة العامة إحالة الليموري على قاضي التحقيق مع ملتمس متابعته في حالة اعتقال، في سياق التحقيقات المرتبطة بملف الأوراق الانتخابية.
وفي ثاني أكتوبر، جاء التطور الأكثر ثقلاً: قاضي التحقيق قرر إيداع عمدة طنجة رهن الاعتقال الاحتياطي على خلفية القضية، لتنتهي بذلك، على الأقل في هذه المرحلة، واحدة من أكثر المسارات السياسية إثارة للجدل في المدينة خلال السنوات الأخيرة.
ولم يتوقف ارتداد الملف عند القضاء، إذ دخل حزب الأصالة والمعاصرة بدوره على الخط. فقد قررت اللجنة الوطنية للتحكيم والأخلاقيات بالحزب، في 2 أكتوبر، تجميد عضوية الليموري في جميع هياكل الحزب، بناء على إحالة من المكتب السياسي، مع التشديد على احترام استقلال القضاء وقرينة البراءة، والتأكيد على أن المسؤولية الجنائية لا تثبت إلا بمقرر قضائي نهائي.
وهكذا، يجد الليموري نفسه أمام مفارقة سياسية ثقيلة: الرجل الذي وصل إلى رئاسة جماعة طنجة حاملاً تجربة في المقاولة والتدبير المحلي والحزبي، وأشرف على برنامج استثماري ضخم للمدينة، أصبح اسمه اليوم مرتبطاً بملف قضائي انتخابي، فيما تجمدت عضويته داخل الحزب الذي حمله إلى واحدة من أهم المسؤوليات المنتخبة بالمغرب.
وبين صورة العمدة الذي كان يتحدث عن مشاريع طنجة ومستقبلها، وصورة المسؤول الذي ينتظر ما ستسفر عنه التحقيقات القضائية، تبدو المسافة قصيرة جداً؛ غير أن الحكم على المسؤولية النهائية يظل، قانوناً، رهيناً بما ستقرره العدالة في نهاية المسار القضائي.
إن قصة الليموري لم تعد اليوم مجرد حكاية مسؤول محلي صعد بسرعة في هرم تدبير طنجة، بل تحولت إلى اختبار مزدوج للقضاء والحزب والمشهد السياسي المحلي، في انتظار أن تكشف التحقيقات أين تنتهي مسؤولية الأشخاص وأين تبدأ مسؤولية الوقائع التي فجرت واحدة من أكثر قضايا انتخابات 2026 إثارة للانتباه.