تقرير يدق ناقوس الخطر: مغرب بسرعتين وفوارق تتسع

رغم المؤشرات الإيجابية التي يسجلها الاقتصاد المغربي على مستوى النمو والاستثمارات، ما تزال خريطة التنمية تكشف عن اختلالات عميقة في توزيع الثروة والفرص بين مختلف جهات المملكة، وهو ما أعاد إلى الواجهة النقاش حول فعالية السياسات العمومية في تحقيق العدالة المجالية وتقليص الفوارق الاجتماعية.

 

فوفق تقرير حديث لمركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي، لا تزال الثروة الوطنية متمركزة بشكل كبير في عدد محدود من الأقطاب الاقتصادية، بينما تواجه مناطق واسعة، خصوصا القروية والجبلية، تحديات متواصلة ترتبط بالفقر والهشاشة وضعف الولوج إلى الخدمات الأساسية. وأبرز التقرير أن ثلاث جهات فقط تستحوذ على ما يقارب 58.5 في المائة من الناتج الداخلي الخام الوطني، وهي الدار البيضاء-سطات والرباط-سلا-القنيطرة وطنجة-تطوان-الحسيمة، ما يعكس استمرار تمركز النشاط الاقتصادي والاستثمارات في المحاور الحضرية الكبرى.

 

وتتصدر جهة الدار البيضاء-سطات المشهد الاقتصادي الوطني بأكثر من ثلث الثروة المنتجة بالمملكة، في وقت تظل فيه مساهمة عدد من الجهات الأخرى محدودة، الأمر الذي ينعكس على مستويات الدخل وفرص الشغل والإنتاجية، ويعمق الفجوة التنموية بين المجالات الترابية.

 

ويرى التقرير أن هذا الواقع يرتبط باستمرار توجيه الاستثمارات العمومية والخاصة نحو المناطق الساحلية والحضرية ذات الجاذبية الاقتصادية المرتفعة، مقابل ضعف المشاريع المهيكلة في العديد من الأقاليم التي ما تزال تعاني من خصاص في البنيات التحتية وفرص الاستثمار والتنمية.

 

وفي الجانب الاجتماعي، سجل التقرير أن تراجع معدل الفقر متعدد الأبعاد على المستوى الوطني خلال العقد الأخير لم يواكبه تحسن متكافئ بين مختلف المناطق. فالغالبية الساحقة من السكان الذين يعيشون أوضاعا هشة تتركز في الوسط القروي، حيث تستمر مؤشرات الحرمان في مستويات أعلى بكثير مقارنة بالمجال الحضري، ما يؤكد أن ثمار النمو لم تصل بالقدر نفسه إلى جميع الفئات والمناطق.

 

كما حذر التقرير من استمرار معضلة الأمية، خاصة في الأوساط القروية وفي صفوف النساء، معتبرا أن ضعف التمدرس والتكوين يشكل أحد أبرز العوامل التي تعيق تحقيق تنمية منصفة وتحد من فرص الاندماج الاقتصادي والاجتماعي لشرائح واسعة من المواطنين.

 

وعلى مستوى الخدمات العمومية، رصدت الوثيقة استمرار التفاوتات الترابية في قطاع الصحة، حيث تتركز الموارد البشرية والتجهيزات الطبية المتخصصة في عدد محدود من المدن الكبرى، بينما تواجه مناطق أخرى خصاصا ملحوظا في الأطر الصحية والبنيات الاستشفائية، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على جودة الرعاية الصحية وإمكانية الولوج إليها.

 

وفي قطاع التعليم، نبه التقرير إلى تفاقم ظاهرة الهدر المدرسي، خاصة بالمناطق القروية والهامشية، مع تسجيل مئات الآلاف من حالات الانقطاع عن الدراسة، الأمر الذي يهدد بتوسيع دائرة الإقصاء الاجتماعي ويقوض فرص التنمية المحلية على المدى البعيد.

 

واعتبر التقرير أن المغرب ما يزال يواجه تحدي بناء تنمية متوازنة بين مختلف جهاته، في ظل استفادة مناطق محددة من الدينامية الاقتصادية والاستثمارات الكبرى، مقابل استمرار تأخر مناطق أخرى في مؤشرات التنمية البشرية والخدمات الأساسية. وأكد أن تجاوز هذه الاختلالات يقتضي اعتماد سياسات أكثر جرأة تقوم على توجيه الموارد والاستثمارات وفق حاجيات الجهات ومستويات الهشاشة والفقر، بما يضمن تحقيق عدالة ترابية حقيقية وتوزيعا أكثر إنصافا لثمار التنمية.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *