أكد وزير التجهيز والماء، نزار بركة، أن تحقيق الإنصاف المجالي في المغرب يقتضي مجهوداً مضاعفاً لفائدة العالم القروي، مع تركيز خاص على المناطق الجبلية التي تعاني من أكبر نسب الخصاص وصعوبات التضاريس.
وجاءت تصريحات الوزير خلال تفاعله مع مداخلات المستشارين بمجلس المستشارين، حيث نوه بمستوى النقاش والترافع، معتبراً أنه يعكس وعياً جماعياً بأهمية خدمة المواطنين ودعم التنمية الترابية.
وأوضح بركة أن التحدي لم يعد مرتبطاً فقط بإنجاز الطرق، بل بكيفية ضمان أثرها الفعلي على حياة المواطنين، مبرزاً أن التوجيهات الملكية لـمحمد السادس دفعت نحو اعتماد مقاربة جديدة قائمة على التكامل بين القطاعات.
وأشار إلى أن المخطط التنموي الجديد، الذي تمت المصادقة عليه في مجلس وزاري، بغلاف مالي يصل إلى 210 مليارات درهم، يمثل تحولاً نوعياً في طريقة الاشتغال، حيث لم يعد مقبولاً إنجاز مدرسة دون طريق يربطها، أو مركز صحي دون بنية تحتية تسهل الولوج إليه.
وأضاف أن هذه المقاربة تشمل أيضاً توفير الماء والكهرباء والربط بالإنترنت، باعتبارها عناصر أساسية لضمان استمرارية الخدمات وتحقيق تنمية حقيقية في المناطق القروية.
وسجل الوزير أن غياب هذه المقاربة المندمجة ساهم في تفاقم الهجرة القروية، مشيراً إلى أن حوالي مليوني مغربي غادروا القرى نحو المدن بين 2014 و2024، بمعدل يقارب 200 ألف شخص سنوياً.
واعتبر أن هذا الواقع يفرض إعادة النظر في السياسات العمومية، عبر ربط البنية التحتية بالأنشطة الاقتصادية، وتشجيع الاستثمار المحلي، وضمان ولوج الساكنة إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الثقافة والاتصال الرقمي.
وشدد بركة على أن الطريق، رغم أهميتها، تبقى مجرد وسيلة لتحقيق التنمية، موضحاً أنه “إذا لم تتوفر الماء والكهرباء والأنشطة الاقتصادية، فإن الطريق قد تتحول إلى وسيلة للهجرة بدل أن تكون أداة للاستقرار”.
وفي هذا السياق، أبرز أن الوزارة تعمل، بتنسيق مع الجهات، على توجيه الاستثمارات نحو الطرق التي تخدم التعليم والصحة والأسواق المحلية والمسارات السياحية، بما يساهم في تحسين ظروف عيش الساكنة.
وتوقف الوزير عند إشكالية صيانة الطرق القروية، مشيراً إلى أن استثمارات بمليارات الدراهم قد تفقد جدواها في غياب الصيانة الدورية، حيث تتدهور بعض الطرق بعد سنوات قليلة من إنجازها.
وأوضح أن عدداً من الطرق غير المصنفة يندرج قانونياً ضمن اختصاص الجماعات الترابية، التي تعاني بدورها من محدودية الموارد، ما يدفعها أحياناً إلى عدم تصنيف هذه الطرق لتفادي أعباء الصيانة.
ولمواجهة هذا الوضع، كشف بركة عن توجه جديد يقضي بإدماج الجهات في هذا الاختصاص، في إطار ورش الجهوية المتقدمة، إلى جانب مراجعة تصنيف بعض الطرق، خاصة تلك التي لا ترقى إلى مستوى الطرق الوطنية.
وفي هذا الإطار، أشار الوزير إلى مثال الطريق الوطنية رقم 7 التي تربط بين تحناوت وتارودانت، والتي كانت لا تتجاوز أربعة أمتار عرضاً، قبل أن يتم توسيعها إلى 7.5 أمتار، رغم صعوبة التضاريس الجبلية.
كما أكد أن الوزارة عززت شراكاتها مع الجهات والمجالس الإقليمية، ووسعت مجالات التعاون لتشمل الصيانة والتأهيل، إضافة إلى إحداث آليات للتدخل السريع عبر وحدات متنقلة يمكن للجماعات الاستفادة منها بموجب اتفاقيات محلية.
وختم بركة بالتأكيد على أن الرهان اليوم هو الانتقال من منطق المشاريع المتفرقة إلى رؤية شمولية تدمج البنية التحتية بالخدمات الأساسية والأنشطة الاقتصادية، بما يضمن تنمية متوازنة ويحد من الفوارق المجالية، خاصة في العالم القروي والمناطق الجبلية.