لم تكن الظروف سهلة عندما تسلمت الحكومة مسؤولياتها في سنة 2021، والعالم لا يزال يعيش تداعيات مرحلة عدم يقين اقتصادي غير مسبوقة. هكذا وصف عزيز أخنوش، رئيس الحكومة، البدايات، قبل أن يؤكد أن الإرادة والطموح كانا كفيلين بتجاوز هذه المرحلة الصعبة، لأن الوقت لا ينتظر، وتطلعات المغاربة لا يمكن تأجيلها.
وقال أخنوش، خلال جلسة مناقشة العمل الحكومي بمجلس المستشارين، إن التغيير كان لا بد أن يظهر، مجسدا نموذج المملكة التي يقودها الملك محمد السادس، مملكة الصمود والإنجازات والاستقرار المؤسساتي والسياسي. وأضاف أن الحكومة وضعت الأسرة المغربية في صلب أولوياتها، إلى جانب بناء الدولة الاجتماعية، وضمان الحق في التعليم والصحة والتشغيل، وتحقيق العيش الكريم لجميع المغاربة.
وتعهد رئيس الحكومة بالتفاعل، من منبر المجلس، مع عدد من القضايا التي طرحها المستشارون، معتبرا إياها مهمة بالنسبة لمكونات هذه المؤسسة التشريعية. وفي حصاد الأداء الحكومي، كشف أخنوش عن تنزيل 50 إنجازا في ظرف خمس سنوات فقط، موضحا أنها إنجازات لصالح المواطن والأسرة المغربية وجميع فئات المجتمع، تجسدت من خلال التحكم في المالية العمومية والتوازنات الماكرواقتصادية.
وأشار إلى أن الحكومة رصدت إمكانيات مالية معتبرة لتطوير البنية التحتية الوطنية، تكريسا لأسس الدولة الاجتماعية كما أرادها جلالة الملك. وأكد أن الغالبية من المواطنين تشعر فعليا بالفارق وتقدر الأدوار الحكومية، مستندا في ذلك إلى فلسفة إصلاحية مضبوطة، ومضربا المثل بنجاح الحوار الاجتماعي الذي انخرط فيه الشركاء الاجتماعيون والمهنيون بمسؤولية، بعد قطع بعض الممارسات السابقة في تدبيره.
وأوضح أخنوش أن النجاح تم عبر مسارين أساسيين، مأسسة الحوار الاجتماعي بشكل واضح ومنتظم بما يعزز الثقة بين الحكومة والشركاء الاقتصاديين والاجتماعيين، ثم الذهاب إلى أبعد مدى في تنفيذ مخرجات الحوار وتحويلها إلى إجراءات ملموسة. وقال إن الذاكرة الجماعية للمغاربة قوية، وستتذكر أن هذه الحكومة وقعت اتفاقا اجتماعيا تاريخيا في 30 أبريل 2022، تضمن مكاسب مهمة للطبقة العاملة وعموم الموظفين، من بينها الزيادة في الحد الأدنى للأجور في القطاعين الفلاحي وغير الفلاحي، وتخفيض العتبة المطلوبة للاستفادة من معاش التقاعد من 3240 يوما إلى 1320 يوما، والزيادة العامة في الأجور بقيمة ألف درهم لفائدة جميع الموظفين والأجراء، ومراجعة الضريبة على الدخل مما أفضى إلى إعفاء عدد كبير من الأجراء من أدائها.
واستحضر رئيس الحكومة تنزيل القانون التنظيمي المتعلق بالإضراب، الذي وصفه بأنه ليس قانونا عاديا، بل نص تشريعي يهدف إلى استكمال المسار الدستوري والحقوقي بالبلاد، بعد أن ظلت مقتضياته معلقة لأكثر من 62 سنة من الانتظار. وأبرز أن الحكومة تحلت بالإرادة الصادقة والجرأة السياسية لإخراج هذا القانون إلى حيز الوجود، معتمدة على منهجية تشاركية واسعة عبر أكثر من 80 اجتماعا مع الشركاء الاجتماعيين والاقتصاديين للوصول إلى صيغة توافقية تحمي حقوق الموظفين والأجراء في ممارسة حقهم الدستوري في الإضراب، وفي الوقت نفسه تحمي الاستثمار واستمرارية الخدمات المقدمة للمواطنين.
بالانتقال إلى ملف الاستثمار العمومي والبنيات التحتية، أكد أخنوش أن الفلسفة الحكومية قامت على مرتكزين أساسيين: أولهما أن المسار التنموي الذي يقوده الملك يتطلب بنية تحتية متطورة تستجيب لطموحات المغرب الصاعد، وثانيهما جعل هذه البنيات رافعة استراتيجية لضمان العدالة المجالية بين مختلف جهات المملكة. وأشار إلى أن المغرب يحتل اليوم المرتبة الأولى إفريقيا من حيث تطور البنية التحتية وفق مؤشرات الحكامة والتنمية، كما أصبح ميناء طنجة المتوسط الأول في البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا، وهي مكانة لم تأت من فراغ بل هي ثمرة مسار تراكمي تقوده الرؤية الملكية منذ سنوات.
وسجل رئيس الحكومة أن المملكة شهدت خلال 26 سنة مجهودا كبيرا، حيث انتقلت من 80 كيلومترا من الطرق السيارة إلى أكثر من 1800 كيلومتر حاليا، وتطوير أكثر من 58 ألف كيلومتر من الطرق بجودة عالية، وإنشاء 2300 كيلومتر من السكك الحديدية منها 200 كيلومتر من القطار فائق السرعة. وكشف عن توفر الحكومة على تصور متكامل لخط القطار فائق السرعة الرابط بين مراكش وأكادير بطول 240 كيلومترا، والذي سيقلص مدة السفر إلى ساعة واحدة فقط.
كما أشار إلى توفر المملكة على 25 مطارا دوليا موزعة على مختلف الجهات، مع العمل على توسيع طاقتها الاستيعابية لبلوغ 80 مليون مسافر في أفق 2030، بالإضافة إلى 43 ميناء بمعايير عالمية، من بينها ميناء الناظور غرب المتوسط بكلفة 11.5 مليار درهم، وميناء الداخلة الأطلسي بكلفة 13 مليار درهم. وفي مجال الماء، يتوفر المغرب على 154 سدا كبيرا بسعة إجمالية تناهز 20 مليار متر مكعب، إلى جانب تطوير البنية التحتية المائية المرتبطة بالربط بين الأحواض المائية، واللجوء إلى الابتكار في تحلية مياه البحر عبر محطات في مختلف المناطق الساحلية.
واعتبر أخنوش أن هذه الإنجازات ساهمت في بناء مغرب الاستراتيجيات الكبرى والتظاهرات العالمية والرهانات الدولية، مؤكدا أن تطوير البنيات التحتية خلال الولاية الحكومية الحالية ركز على المجالات المرتبطة مباشرة بالحياة اليومية للمواطنين، من خلال تطوير المنظومة الصحية عبر 177 مستشفى وأكثر من 3100 مؤسسة للرعاية الصحية، وحوالي 12 ألف مؤسسة تعليمية منها 758 أحدثت خلال هذه الولاية بينها 474 بالعالم القروي، إضافة إلى 62 مؤسسة جامعية وافتتاح 9 مدن للمهن والكفاءات.
وشدد على أن القوة الحقيقية لنجاح الرؤية الوطنية تتجلى في برنامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، الذي شكل خطوة أساسية لضمان تنمية متوازنة وشاملة، وعلامة فارقة في تصور الدولة لطموحاتها الاقتصادية والاجتماعية. وأشار إلى أن الحكومة كانت في الموعد لمواصلة هذا الورش الذي يحظى بمكانة خاصة لدى الملك، ولا يمكن التهاون فيه أو القبول بأي تقصير في تنزيله، مستعرضا مؤشرات من بينها إنجاز أكثر من 20 ألف كيلومتر من الطرق القروية و222 منشأة فنية لفك العزلة، وتنفيذ أكثر من 4800 عملية بناء وتأهيل للمؤسسات التعليمية، وأكثر من 1700 تدخل للبناء والتوسعة والتأهيل في المؤسسات الصحية بالمناطق القروية والجبلية، ومد أكثر من 1100 كيلومتر من الشبكة الكهربائية وألف كيلومتر من شبكات الماء الصالح للشرب.
وأكد أن أكثر من 17 مليون أسرة في حوالي 1200 جماعة ترابية استفادت من هذا الورش الوطني الكبير، الذي ساهم في تعزيز الاستقرار الأسري ومحاربة الهدر المدرسي والتخفيف من مظاهر الهشاشة في المناطق المتأثرة بسنوات الجفاف. وأضاف أن البرنامج بلغ مرحلته النهائية وحقق نتائج إيجابية، مشيرا إلى أن المغرب يوجد اليوم أمام مرحلة جديدة وضع أسسها الملك، الذي أكد في خطاب العرش أن الوقت قد حان لإحداث نقلة حقيقية في التأهيل الشامل للمجالات الترابية وتدارك الفوارق الاجتماعية والمجالية.
وكشف أخنوش أن الحكومة شرعت، في إطار قانون المالية لسنة 2026، في إطلاق مرحلة أولى شملت 26 مركزا قرويا كنموذج، بتكلفة بلغت حوالي 2.8 مليار درهم، مشيرا إلى أن الولاة والعمال يواصلون التشاور مع مختلف الفاعلين الترابيين لبلورة رؤية واضحة تستجيب لانتظارات المواطنين. ودعا المنتخبين والفاعلين المحليين إلى الانخراط في هذا المشروع الملكي، والاضطلاع بأدوارهم في تدبير الوساطة المحلية وتقريب الخدمات من المواطنين، مؤكدا ضرورة أن يكونوا النواة الحقيقية للتنمية الترابية وسياسة القرب وإنتاج الحلول الممكنة في مجالات الخدمات الاجتماعية والتدبير المستدام للموارد المائية وخلق فرص جديدة للتشغيل لفائدة الشباب والنساء.
وشدد رئيس الحكومة على أن هذا المشروع الوطني الاستراتيجي هو مشروع ملكي لا يمكن فصله عن ورش الدولة الاجتماعية، لأنه يعبر عن استمرار مسار المغرب الصاعد، مغرب الكرامة والمساواة بين جميع المغاربة. واختتم بالتأكيد على ضرورة أن يكون الجميع في الموعد كفاعلين، بعيدا عن المزايدات السياسية، لأن الأمر يتعلق بزمن استراتيجي يمتد لثماني سنوات، وتفوق كلفته 210 مليارات درهم، مع آليات حكامة واضحة كما ورد في المجلس الوزاري الأخير.