الاقتصاد العالمي زمن الأزمات.. لماذا يهتز بسرعة ويتعافى ببطء؟

ليست المشكلة في أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران رفعت أسعار الطاقة أو أربكت الأسواق فحسب، بل في أنها كشفت مرة أخرى خللا بنيويا في طريقة عمل الاقتصاد العالمي نفسه، فقد بات شديد الترابط عبر الطاقة والتمويل وسلاسل الإمداد، وله قدرة استثنائية على نقل الصدمات بسرعة شبه فورية، لكنه يفتقر إلى السرعة نفسها عندما يتعلق الأمر بإعادة التوازن.

في أسابيع قليلة تحولت مواجهة إقليمية إلى ضغط متزامن على الأسعار والسيولة والتجارة والتوقعات عبر العالم، في انعكاس واضح لطبيعة نظام اقتصادي تُنقل فيه الخسائر بسرعة الشبكات التي تحملها، لا بسرعة الاقتصادات التي تحاول امتصاصها.

في هذا السياق جاء تحذير صندوق النقد الدولي في 30 مارس/آذار 2026 ليعكس توصيفا دقيقا لطبيعة الصدمة، إذ أكد أن الحرب “تُضعف آفاق العديد من الاقتصادات” عبر قنوات الطاقة والتمويل والتجارة، مما يقود إلى نتيجة شبه حتمية تتمثل في أسعار أعلى ونمو أبطأ.

تعكس هذه النتيجة طبيعة النظام أكثر من حجم الحدث، إذ تنتقل الصدمات وفق إيقاع الشبكات التي تحملها، في حين تتعامل الاقتصادات معها بوتيرة أبطأ بكثير.

من الصدمة إلى الاقتصاد

تبدأ الصدمة من نقطة تبدو واضحة، لكنها في الواقع أكثر تعقيدا مما تظهر، فمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 مليون برميل من النفط يوميا، أي قرابة خُمس الاستهلاك العالمي، إضافة إلى نسبة كبيرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال، لا يمثل مجرد ممر جغرافي، بل نقطة تسعير مركزية للاقتصاد العالمي.

هذا التركّز يعني أن مجرد ارتفاع المخاطر، حتى دون إغلاق فعلي، يكفي لإعادة تسعير النفط والتأمين والشحن في وقت واحد، لتتحول الصدمة بسرعة من حدث جيوسياسي إلى ضغط تضخمي عابر للحدود.

في 19 مارس/آذار 2026، حذرت جولي كوزاك، المتحدثة باسم صندوق النقد الدولي، من أن ارتفاع أسعار الطاقة بنسبة 10% قد يرفع التضخم العالمي بنحو 0.4 نقطة مئوية ويخفض النمو، في إشارة إلى الحساسية المرتفعة للاقتصاد العالمي تجاه هذه القناة.

ومع انتقال الصدمة إلى الأسواق المالية تتبدل طبيعتها، إذ تتحول الأسواق من عاكس للمخاطر إلى مُضاعِف لها، عبر إعادة إنتاجها ضمن قنوات التسعير والائتمان. فقد أشارت “رويترز” في تقرير لها نهاية مارس/آذار 2026 إلى أن ارتفاع عوائد السندات وتراجع الأسهم خلقا تشديدا ماليا فعليا قبل أي تحرك رسمي، مما أدى إلى رفع تكلفة التمويل والضغط على الاستثمار والاستهلاك في وقت واحد.

وفي هذا السياق، قال دان كاتز، النائب الأول لمدير صندوق النقد الدولي، في 3 مارس/آذار 2026، إن استمرار حالة عدم اليقين قد يكون له تأثير واسع على التضخم والنمو، وهو ما يعكس أن الصدمة لا تنتقل فقط، بل تتوسع عبر قنوات الائتمان والتسعير.

وهنا يتخذ عدم اليقين دورا أكثر عمقا، فمع تصاعد المخاطر تتحول قرارات الشركات والمستثمرين من التوسع إلى الانتظار، ويتم تأجيل الاستثمار وتقليص الانكشاف على المخاطر.

وتشير تحليلات صندوق النقد الدولي إلى أن صدمات الطاقة قد تؤدي إلى انفلات توقعات التضخم، مما يفرض إبقاء السياسات النقدية مشددة لفترة أطول، وبذلك يصبح التعافي مرتبطا بعودة القدرة على تسعير المستقبل بثقة، لا بزوال الصدمة فقط.

ما بعد الصدمة ليس تعافيا

عندما تبدأ الصدمة بالانحسار، لا يعود الاقتصاد إلى نقطة البداية، بل يدخل مرحلة مختلفة تحكمها القيود، فارتفاع أسعار الفائدة وتكاليف التمويل يضغط على ميزانيات الشركات والحكومات، خصوصا في الاقتصادات الناشئة، lما يدفعها إلى تقليص الديون بدل التوسع.

في هذه البيئة، لا يكون التعافي مسألة عودة الطلب، بل مسألة استعادة القدرة على المخاطرة، وهي عملية بطبيعتها تدريجية.

طوابير المركبات أمام محطات الوقود في كولومبو مع تفاقم أزمة الإمدادات وتقنين الوقود (رويترز)
في الوقت نفسه تواجه السياسات الاقتصادية معضلة يصعب تجاوزها، فالتضخم هنا ليس ناتجا عن طلب مفرط بقدر ما هو تضخم مستورد عبر الطاقة، lما يجعل أدوات السياسة النقدية أقل قدرة على احتوائه وأكثر كلفة عند استخدامها.

هذا يضع البنوك المركزية أمام خيارين كلاهما مكلف:

التشديد لكبح الأسعار.
أو التيسير لدعم النمو.
وفي الحالتين تبقى كلفة القرار ممتدة زمنيا.

وفي 4 أبريل/نيسان 2026، حذر صندوق النقد الدولي من “مخاطر جديدة كبيرة” رغم الحاجة إلى استمرار التشديد في بعض الاقتصادات، مما يعكس محدودية هامش المناورة، إذ تتحول السياسة النقدية من أداة استقرار إلى عامل يحدّ من سرعة التعافي.

ولا تتوقف آثار الصدمة عند الطاقة أو الأسواق، بل تمتد إلى الاقتصاد الحقيقي بشكل أوسع، فقد ارتفعت أسعار الغذاء عالميا، وفق منظمة الأغذية والزراعة “فاو”، في مارس/آذار 2026، مدفوعة بارتفاع تكاليف الطاقة، كما سجلت أسعار الأسمدة زيادات حادة، بحسب البنك الدولي.

بهذا، لا تبقى الأزمة في قطاع واحد، بل تمتد إلى بنية الإنتاج والدخل، لتضغط على النمو والاستهلاك في الوقت نفسه، خصوصا في الدول المستوردة للطاقة.

في هذا السياق، يتخذ التعافي طابعا غير متزامن، إذ يتشكل عبر سلسلة من عمليات إعادة التوازن المتتابعة، فقد تنخفض الأسعار قبل عودة الائتمان، وقد يتحسن الائتمان قبل استعادة الثقة الاستثمارية، مما يفرض على التعافي إيقاعا أبطأ بطبيعته من الأزمة.

وتشير أبحاث صندوق النقد الدولي إلى أن الصدمات الكبرى تترك آثارا طويلة الأمد على الاستثمار والإنتاجية، ولا يعود الاقتصاد إلى مساره السابق بسهولة، بل ينتقل إلى مسار نمو أضعف وأكثر حذرا.

اقتصاد لا يعكس مساره

تكشف الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، بوصفها صدمة جيوسياسية، عن خاصية بنيوية في الاقتصاد العالمي، إذ يُسرّع هذا النظام انتقال الخسائر عبر قنواته المختلفة، فيما تبقى قدرته على التعافي محدودة إلى حد كبير.

فعندما تتحرك الصدمة، تنتقل عبر الطاقة والأسواق والتوقعات بسرعة متزامنة، لكن عندما تبدأ بالانحسار، لا يعود الاقتصاد على المسار ذاته، لأن ما تضرر لم يكن العرض فقط، بل الثقة والميزانيات وشهية المخاطرة.

بهذا المعنى، يتخذ التعافي طابع مرحلة جديدة، إذ تشكّل إعادة فتح الممرات أو تراجع الأسعار أو توقف التصعيد تطورات جزئية ضمن مسار لا يعيد الاقتصاد إلى وضعه السابق، بعد أن يكون قد أعاد تسعير المخاطر وغيّر سلوك الفاعلين ورفع كلفة العودة إلى التوسع.

لذلك يتخذ التعافي إيقاعا أبطأ بطبيعته، نتيجة اعتماده على إعادة بناء عناصر لا تتحرك بالسرعة نفسها التي انتقلت بها الصدمة، وهنا تتجاوز المفارقة مسألة سرعة الأزمات والتعافي، لتكشف اختلالا في اتجاه حركة الاقتصاد نفسه، إذ تُصمَّم آلياته لنقل الصدمة بكفاءة أعلى بكثير من قدرتها على عكسها.

ومع كل أزمة، ينطلق الاقتصاد من قاعدة أضعف، بثقة أدنى ومخاطر أعلى، مما يطيل أثر الصدمات اللاحقة ويضاعف تعقيدها.

المصدر: الجزيرة

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *