بين ليلة وضحاها، تحولت فرحة تتويج المنتخب السنغالي بلقب كأس أمم إفريقيا إلى جدل قانوني عاصف، بعد أن أعلن الاتحاد الإفريقي لكرة القدم (الكاف) إلغاء فوز “أسود التيرانغا” في المباراة النهائية ومنح اللقب للمنتخب المغربي.
ولم تمر ساعات قليلة على القرار حتى أعلن الاتحاد السنغالي عزمه الطعن أمام محكمة التحكيم الرياضية (TAS)، ليتحول الصراع من أرض الملعب إلى قاعات المحاكم الدولية، في قضية قد تطول لأشهر وترسم ملامح جديدة لمستقبل العدالة الرياضية في القارة.
محكمة التحكيم الرياضية، ومقرها سويسرا، ليست محكمة تقليدية بل هي هيئة قضائية دولية تعمل وفق نظام التحكيم الخاص، حيث تعتمد على القانون السويسري ولوائح الاتحادات الرياضية المعنية. ويفصل فيها ثلاثة محكمين من الخبراء القانونيين، يختار كل طرف محكما خاصا به، فيما يتفقان على رئيس ثالث محايد. تختص غرفة الاستئناف داخل المحكمة بالنظر في الطعون المقدمة ضد قرارات اللجان التأديبية والاستئناف للاتحادات، وهو ما يجعلها الجهة الطبيعية للجوء إليها بعد قرار الكاف الأخير.
في هذا السياق، يوضح المحامي رومان بيزيني، المتخصص في قانون الرياضة والمحامي بباريس والذي سبق أن ترافع عدة مرات أمام محكمة التحكيم الرياضية، في حديث لمجلة “ONZE MONDIAL” الفرنسية أن الإجراءات القانونية ستبدأ بتقديم الاتحاد السنغالي ملف الطعن خلال مهلة قصيرة جدا لا تتجاوز عشرة أيام وفق لوائح الكاف، على أن يعقبها تقديم المذكرة التفصيلية بالأسباب والحجج خلال عشرة أيام إضافية.
ويضيف أن مدة التقاضي الكاملة قد تمتد نحو عام، موزعة بين مرحلة التحقيق التي تستغرق ستة إلى تسعة أشهر وأربعة أشهر أخرى لإصدار الحكم، مشيراً إلى أن الاستئناف أمام المحكمة لا يوقف تنفيذ القرار تلقائياً، مما يضطر السنغال، إن أرادت الاحتفاظ باللقب خلال فترة التقاضي، إلى التقدم بطلب مستعجل لاتخاذ إجراءات مؤقتة أو لوقف التنفيذ، وهو ما ستحسمه المحكمة في غضون أسابيع.
لكن جوهر النزاع القانوني لا يتعلق بالعواطف أو بما جرى على أرض الملعب بقدر ما يرتبط بتفسير النصوص الصارمة. ويرى بيزيني أن المحكمة ستركز على المادتين 82 و84 من لائحة كأس الأمم الإفريقية، وستبحث تحديداً في مفهوم “الفريق”؛ هل يقصد به التشكيلة الأساسية بأكملها أم العدد الأدنى المسموح به لاستكمال المباراة والمحدد بسبعة لاعبين؟ ويضيف أن هناك نقطة حساسة تتعلق بما إذا كانت عودة اللاعبين السنغاليين إلى أرض الملعب بعد مغادرتها واستكمالهم المباراة تلغي “الخطأ” الأصلي، إلى جانب توقيت تقديم التحفظ الرسمي من قبل الجانب المغربي، الذي قد يكون حاسماً في ترجيح كفة أحد الطرفين.
ومن بين النقاط التي قد تشهد سيناريوهات غير مألوفة، إمكانية استدعاء نجوم المباراة للإدلاء بشهاداتهم، مثل ساديو ماني الذي بقي على أرض الملعب في محاولة لتهدئة الأوضاع. ويؤكد بيزيني أن محكمة التحكيم الرياضية تسمح باستجواب الشهود واستجوابهم المضاد، وأن شهادة من هذا المستوى قد تكشف تفاصيل دقيقة حول تعليمات مسؤولي المباراة في تلك اللحظات الفارقة، على أن تجرى الجلسات بحضور المحكمين فقط في أجواء مغلقة، فيما تصدر الأحكام عادة للعلن ما لم يتفق الطرفان على إبقائها سرية.
ويرى الخبير القانوني أن الضغوط الإعلامية العارمة المصاحبة للقضية لن تؤثر في قضاة المحكمة السويسريين، الذين اعتادوا الفصل بناء على النصوص والأدلة والسوابق وحدها، ويصفهم بأنهم “محصنون” ضد أي اعتبارات خارجية.
وفي تقديره الشخصي للنتيجة النهائية، يرجح بيزيني أن تتراوح فرص تأييد قرار الكاف وإبقاء اللقب للمغرب بين 65 و75 في المائة، نظراً لصرامة اللوائح وغلبة التفسير الحرفي للنصوص على التفسير المرن، لكنه يترك الباب مفتوحاً أمام إمكانية حدوث مفاجأة إذا نجح الطرف السنغالي في إثبات أن المباراة استكملت بشكل كامل وأن الفريق لم ينسحب انسحاباً نهائياً، أو إذا تمكن من تسجيل خرق في الإجراءات أمام لجان الكاف.
هذا وستكون الأسابيع المقبلة حاسمة لمعرفة ما إذا كانت المحكمة ستمنح السنغال تعليقا مؤقتا للقرار لاستعادة اللقب بصورة مؤقتة، أم أن المعركة القضائية ستأخذ مجراها الكامل لتمتد حتى عام كامل، لتبقى الكرة الإفريقية على موعد مع واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في تاريخها، حيث لم يعد الفائز بالكأس مجرد منتصر على المستطيل الأخضر، بل من يستطيع إقناع ثلاثة قضاة في سويسرا بأن النصوص والقوانين تقف إلى جانبه.