قدّمت زينب العدوي، الرئيسة الأولى للمجلس الأعلى للحسابات، توضيحات دقيقة بخصوص طبيعة عمل المؤسسة الدستورية ومقاربتها للرقابة، وذلك خلال جلسة مشتركة بين مجلسي النواب والمستشارين خُصصت لعرض حصيلة ومضامين تقارير المجلس.
وفي سياق حديثها، توقفت العدوي عند ما وصفته بـ“التمثلات السائدة” حول الفساد، والتي ترافق في الغالب انطلاق أي مهمة رقابية داخل مؤسسة عمومية أو جماعة ترابية، حيث يسود في المخيال العام أن الأمر يتعلق تلقائيا بالتحقيق في جريمة مالية أو شبهة اختلاس.
وأوضحت العدوي أن مسار إعداد التقارير داخل المجلس الأعلى للحسابات يخضع لمساطر دقيقة ومتعددة المراحل، بعيدا عن أي ارتجال أو أحكام مسبقة. فقبل أن يرى أي ملف مالي طريقه إلى النشر ضمن التقرير السنوي، تمر العملية بعدد من المحطات الأساسية، تبدأ بتكليف فرقة رقابية لا يقل عدد أعضائها عن اثنين، تتولى إنجاز مهمة الافتحاص وإعداد مشروع تقرير أولي. هذا المشروع يُعرض بعد ذلك على هيئة جماعية مكونة من خمسة أعضاء، تقوم بدراسته والبت فيه وتقديم الملاحظات المؤقتة بشأنه.
وبعد هذه المرحلة، تُعاد المسطرة وفق الضوابط المعمول بها، ليُحال التقرير على القطاعات الحكومية أو الجماعات الترابية المعنية، قصد تمكينها من حق الرد وتقديم الأجوبة والتوضيحات حول الملاحظات المسجلة.
وأكدت العدوي أن هذه المرحلة تشكل عنصرا جوهريا في المسار الرقابي، بما يضمن احترام مبدأ المواجهة والإنصاف، قبل أن يتم استحضار أهمية الملاحظات وطبيعتها، واتخاذ قرار النشر ضمن التقرير النهائي.
وشددت الرئيسة الأولى للمجلس الأعلى للحسابات على أن نشر التقارير يتم بناء على وثائق ومعطيات دقيقة وآليات قانونية واضحة، مؤكدة أن “تا واحد ما مظلوم”، لأن كل ملف يستند إلى حججه ووثائقه، ولا يُبنى على الانطباعات أو الأحكام الجاهزة. غير أنها أقرت في المقابل بأن انطلاق أي مهمة رقابية غالبا ما يُقابل في المخيلة الجماعية بفكرة مفادها “مشاو عندو إلى شفار”، في إشارة إلى النظرة السلبية التي تسبق عمل المجلس في بعض الأحيان.
وفي هذا الإطار، ذكّرت العدوي بأن الدستور حدد بشكل صريح مهمة المجلس الأعلى للحسابات، التي تقوم أساسا على تحسين تدبير الشأن العام والحكامة الجيدة، وتقويم أداء المرافق العمومية، على أن يظل اللجوء إلى العقاب قائما عند الاقتضاء، ووفق ما يثبته القانون.
وبذلك، تضيف العدوي، فإن دور المجلس لا يختزل في الزجر فقط، بل يتجاوز ذلك إلى الإسهام في تخليق الحياة العامة وترسيخ مبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.