يُفتتح البرلمان المغربي من جديد صباح يوم الجمعة 11 أبريل، إيذانًا بانطلاق الدورة الربيعية الثانية من السنة التشريعية 2024-2025، وسط حالة ترقب شعبي واسعة ومناخ سياسي واجتماعي دقيق. الدورة الحالية لا تقتصر على جانبها الشكلي والدستوري، بل تأتي محملة بأثقال تأجيلات سابقة وملفات ملتهبة، في وقت يتطلع فيه المواطن المغربي إلى قرارات ملموسة تُخفف من وطأة الأزمة الاقتصادية وتحد من تصاعد التوتر الاجتماعي.
من عطالة تشريعية إلى “امتحان نضج سياسي”
بعد أشهر من الركود التشريعي و”العطالة السياسية” داخل المؤسسة البرلمانية، يُنتظر من النواب خلال هذه الدورة أن يتجاوزوا مرحلة الخطابة والمزايدات السياسية، وأن ينخرطوا في ورش فعلي للإنتاج التشريعي وممارسة الرقابة الجدية. مصادر برلمانية من فرق الأغلبية والمعارضة صرّحت لـ”بلبريس” بأن الدورة الحالية تُعدّ “امتحان نضج سياسي”، حيث لم يعد مقبولًا أن تبقى المؤسسة التشريعية رهينة الأجندات الضيقة، بينما تتفاقم انتظارات المواطنين.
تشريعات شائكة على طاولة النقاش
من بين الملفات التي تتصدر جدول أعمال الدورة، يبرز مشروع قانون المسطرة الجنائية، الذي ما زال يثير الكثير من الجدل، خاصة في ما يتعلق بالمادة 3، التي تقيد تحريك الشكايات في قضايا الفساد المالي. هذه المادة أثارت ردود فعل غاضبة من طرف هيئات المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية، التي اعتبرتها “ضربة لمبدأ الشفافية ومكافحة الإفلات من العقاب”.
بالموازاة، تعود مدونة الأسرة إلى الواجهة في سياق حساس، لكن بصيغة “منقحة” بعدما أُحيلت مقترحات تعديلها إلى المجلس العلمي الأعلى. وتُقرأ هذه الخطوة، بحسب عدد من المراقبين، كمحاولة لتحييد النقاش السياسي حول المدونة وإضفاء شرعية دينية على التعديلات المرتقبة، تفادياً لتكرار سيناريو الانقسام الذي رافق مراجعة المدونة سنة 2004. غير أن أصواتاً داخل المؤسسة التشريعية تُصر على ضرورة مناقشتها داخل البرلمان بشفافية، حتى لا تمر التعديلات خارج إرادة النقاش العمومي.
الاحتقان الاجتماعي في قلب الجلسات
بالتزامن مع اقتراب فاتح ماي، يشتد الاحتقان داخل الأوساط النقابية، ما يجعل من الحوار الاجتماعي أحد أكثر الملفات حساسية خلال هذه الدورة. نقابيون تحدّثوا لـ”بلبريس” عن حالة من انعدام الثقة في الحكومة، معتبرين أن “ما يُروج له من نوايا لا يتعدى الشعارات”، خاصة في ظل عدم التزام الحكومة بتنزيل مقتضيات اتفاقات سابقة، وعدم تقديم عرض ملموس بشأن تحسين الأجور والظروف المهنية، لا سيما في قطاعات التعليم والصحة.
أما ملف إصلاح أنظمة التقاعد، فيكتسي طابعاً أكثر تعقيداً، نظراً لتداخل الأبعاد التقنية والمالية والاجتماعية فيه. وبحسب عدد من الخبراء، فإن أي إصلاح من هذا القبيل ينبغي أن يراعي العدالة الاجتماعية، لا أن يُبنى فقط على منطق التوازنات المالية. ذلك أن أي خطوة غير مدروسة قد تُشعل احتجاجات أوسع، خاصة في ظل هشاشة الوضع المعيشي لفئات واسعة من الموظفين والمتقاعدين.
البرلمان.. منصة تشريع أم مسرح انتخابي مبكر؟
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية لسنة 2026، يرى عدد من المحللين السياسيين أن الدورة الربيعية قد تتحول إلى ما يشبه حملة انتخابية مبكرة، حيث تسعى أحزاب الأغلبية إلى تسويق منجزاتها، ولو عبر نصوص غير مكتملة، فيما تحاول المعارضة تأكيد حضورها السياسي من خلال الضغط والنقد الحاد، وهو ما قد يُفرغ النقاش من محتواه التشريعي ويفتح الباب أمام صراعات انتخابوية تنحرف عن جوهر القضايا.
عدد من البرلمانيين لم يخفوا قلقهم من هذا التوجه، محذرين من أن تحويل قبة البرلمان إلى “قاعة صدى” للخطاب السياسي الموجه، قد يُجهض فرص الإصلاح الحقيقي، ويعمّق أزمة الثقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة.
المصداقية على المحك.. والشارع يراقب
الرهان الحقيقي خلال هذه الدورة هو استعادة المصداقية. المواطن المغربي، الذي يواجه يوميًا تحديات معيشية صعبة، يترقب خطوات ملموسة من ممثليه تحت القبة، وليس خطابات إنشائية أو وعودًا مؤجلة. الإعلام، بدوره، ينقل الوقائع لحظة بلحظة، والخبراء يُقدّمون قراءاتهم، لكن الفيصل سيكون في ما سينجزه البرلمان على أرض الواقع.
الدورة التشريعية الحالية قد تشكل لحظة تحوّل نحو مزيد من الفعالية السياسية، إذا ما التزمت المؤسسة التشريعية بأدوارها الدستورية، وتخلّت عن الحسابات السياسوية. لكن في المقابل، فإن استمرار نفس النهج والممارسات قد يؤدي إلى مزيد من الإحباط الشعبي، ويُكرّس الهوة بين المواطنين والبرلمان.