على امتداد سبعة وعشرين عاما من اعتلاء صاحب الجلالة الملك محمد السادس عرش المملكة، عرف المغرب تحولا اقتصاديا عميقا غير بنيته الإنتاجية، ورسخ مكانته كواحد من أبرز الاقتصادات الصاعدة في القارة الإفريقية. فمنذ سنة 1999، اختارت المملكة، بقيادة جلالة الملك، نهجا تنمويا يقوم على تنويع الاقتصاد، وتحديث البنيات التحتية، وتشجيع الاستثمار، وتعزيز التصنيع، والانفتاح على الأسواق الدولية، بما مكنها من الانتقال تدريجيا من اقتصاد يعتمد أساسا على الفلاحة والخدمات التقليدية إلى اقتصاد أكثر تنافسية وتنوعا.
وكان الاستثمار في البنيات التحتية أحد أهم مرتكزات هذا التحول، حيث أطلق المغرب مشاريع استراتيجية غيرت خريطته الاقتصادية، في مقدمتها ميناء طنجة المتوسط، الذي أصبح أكبر ميناء للحاويات في البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا، بطاقة تناهز 9 ملايين حاوية سنويا، فضلا عن توسعة شبكة الطرق السيارة التي تجاوزت 1800 كيلومتر، وإنجاز أول قطار فائق السرعة في إفريقيا “البراق”، وتحديث المطارات والموانئ والمناطق اللوجستية، وهو ما عزز موقع المملكة كمركز إقليمي للتجارة والاستثمار.
وفي القطاع الصناعي، نجح المغرب في بناء منظومة إنتاجية حديثة جعلته يتصدر صناعة السيارات بالقارة الإفريقية، بعدما تجاوز الإنتاج مليون سيارة سنويا، فيما أصبحت صادرات القطاع تتجاوز 150 مليار درهم سنويا، لتتصدر قائمة الصادرات المغربية. كما برز قطاع صناعة الطيران الذي يضم أكثر من 140 مقاولة عالمية، إلى جانب تطور الصناعات الإلكترونية والميكانيكية والكيماوية.
وبالتوازي مع ذلك، راهنت المملكة على الانتقال الطاقي، حيث ارتفعت حصة الطاقات المتجددة بشكل متواصل بفضل مشاريع كبرى، أبرزها مركب “نور” بورزازات، ومزارع الرياح في عدد من جهات المملكة، مع إطلاق مشاريع الهيدروجين الأخضر، في إطار هدف استراتيجي يتمثل في رفع مساهمة الطاقات المتجددة في القدرة الكهربائية المركبة إلى أكثر من 52 في المائة.
أما القطاع الفلاحي، فقد عرف بدوره تحولا نوعيا مع إطلاق مخطط “المغرب الأخضر”!سنة 2008، الذي ساهم في تحديث الإنتاج الفلاحي وتعزيز الصادرات الزراعية، قبل أن تتواصل الدينامية عبر استراتيجية “الجيل الأخضر 2020-2030″، التي تركز على العنصر البشري، وتشجيع الاستثمار، وتحقيق الأمن الغذائي.
وفي المجال الاجتماعي، شكلت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي أطلقها جلالة الملك سنة 2005، نموذجا تنمويا غير مسبوق، حيث مولت آلاف المشاريع لفائدة الشباب والنساء والفئات الهشة، قبل أن يتعزز هذا المسار بإطلاق ورش تعميم الحماية الاجتماعية، الذي يشمل التأمين الإجباري عن المرض، والتعويضات العائلية، والدعم الاجتماعي المباشر، لفائدة ملايين المواطنين.
وعلى صعيد الاستثمار، واصل المغرب إصلاح مناخ الأعمال عبر اعتماد الميثاق الجديد للاستثمار، وإصلاح المراكز الجهوية للاستثمار، وتسريع الرقمنة، وهو ما انعكس على تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، التي سجلت مستويات قياسية خلال السنوات الأخيرة، خاصة في قطاعات السيارات، والطيران، والطاقات النظيفة، والصناعات المستقبلية.
كما عززت المملكة حضورها الاقتصادي في إفريقيا، انسجاما مع الرؤية الملكية للتعاون جنوب-جنوب، حيث أصبحت الأبناك والشركات المغربية من أبرز المستثمرين في القارة، خصوصا في قطاعات الاتصالات والأسمدة والطاقة والخدمات المالية.
ورغم الأزمات العالمية المتلاحقة، من الأزمة المالية الدولية إلى جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية وتوالي سنوات الجفاف، أظهر الاقتصاد المغربي قدرة كبيرة على الصمود، بفضل تنوع قاعدته الإنتاجية، ومرونة مؤسساته، ونجاعة الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية.
وتتواصل اليوم هذه الدينامية مع الأوراش الكبرى المرتبطة بالاستعداد لتنظيم كأس العالم 2030، من خلال توسيع المطارات، ومد خطوط السكك الحديدية فائقة السرعة، وإنجاز مشاريع مائية ولوجستية ورياضية كبرى، بما يعزز جاذبية المملكة للاستثمار ويكرس مكانتها كمركز اقتصادي إقليمي.
كرونولوجيا.. أبرز المحطات الاقتصادية خلال 27 سنة
1999: انطلاق عهد اقتصادي جديد قائم على تحديث البنيات التحتية وتحسين مناخ الاستثمار.
2005: إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية لمحاربة الفقر والهشاشة.
2005 – 2007: تنفيذ مخطط الإقلاع الصناعي واستقطاب الاستثمارات الصناعية.
2007: تدشين ميناء طنجة المتوسط، الذي أصبح لاحقا أكبر ميناء للحاويات في إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط.
2008: إطلاق مخطط “المغرب الأخضر” لتحديث القطاع الفلاحي.
2010: انطلاق أشغال القطار فائق السرعة “البراق”.
2014: إطلاق مخطط التسريع الصناعي، الذي رسخ ريادة المغرب في صناعات السيارات والطيران.
2016: عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي، وتعزيز الشراكات الاقتصادية بالقارة.
2018: تدشين “البراق”، أول قطار فائق السرعة بإفريقيا.
2020: مواجهة جائحة كوفيد-19 بإحداث صندوق خاص، ودعم المقاولات والأجراء، ونجاح الصناعة الوطنية في إنتاج المعدات الطبية.
2021: تقديم النموذج التنموي الجديد، والانطلاق في تنزيل ورش تعميم الحماية الاجتماعية.
2022: تعميم التأمين الإجباري الأساسي عن المرض.
2023: تسريع مشاريع تحلية مياه البحر، والأمن المائي، والانتقال الطاقي.
2024: تعزيز الاستثمارات في البطاريات الكهربائية والهيدروجين الأخضر، وترسيخ مكانة المغرب كمنصة صناعية عالمية.
2025 – 2026: إطلاق وتسريع مشاريع البنيات التحتية المرتبطة باستضافة كأس العالم 2030، إلى جانب مواصلة تنزيل ميثاق الاستثمار الجديد.
وبلغة الأرقام، تضاعف حجم الاقتصاد المغربي عدة مرات منذ سنة 1999، وارتفعت الصادرات الصناعية إلى مستويات غير مسبوقة، وأصبح قطاع السيارات أول مصدر للمملكة، فيما رسخ المغرب مكانته ضمن أكبر الاقتصادات الإفريقية وأكثرها استقرارا. وتؤكد هذه الحصيلة أن سبعة وعشرين عاما من الإصلاحات والأوراش الكبرى أرست أسس اقتصاد أكثر تنوعا وصلابة، قادر على مواصلة النمو وتعزيز مكانة المملكة كقوة اقتصادية صاعدة في إفريقيا والفضاء المتوسطي.