تقرير إخباري | العنف ضد الأطفال .. مسؤولية الدولة "تابثة" والوازع الإنساني "غائب"

تقرير إخباري | العنف ضد الأطفال

"أجزاء مقطوعة من جثة طفل بمطرح للنفايات والباقي داخل ثلاجة" ليس مشهدا من فيلم رعب يعرض على شاشات السينما وإنما جريمة "بشعة" بمدينة العرائش شمال المملكة، أبطالها أب وزوجته، أقدما على قتل فلدة كبد الأول بعدما استدرجاه للمنزل بدعوى الاحتفال بعيد ميلاده السابع .

لم تمر على الواقعة المذكورة سوى يوم واحد، حتى ظهرت جريمة جديدة والضحية طفل دائما في الخامسة من العمر، ذُبح من تلاثيني بمدينة سلا .

 

"ذبح" وأم مكلومة

 

"حسبي الله ونعم الوكيل ذبحوه أمام أخيه" عبارة توضح حجم ألم أم مكلومة تكشف بحرقة تفاصيل فراق إبنها بسلا .

 

 

وتحكي والدة الضحية "القاتل اعتدى على إبني، ذبحه أمام أخيه ولا وجود للأمن بعدما أصبحو يتجولون بالسيوف ويذبحون الأطفال، ماذا بعد فقدان إبني" .

 

 

وتضيف الأم لـ"بلبريس" "إبني في الأخير ذُبح" متسائلة "ماذا قام به ذلك الطفل ليُذبح، القاتل وضعه على الأرض وقام بذبحه بسكين".

 

الجريمة "مرتفعة"

 

ولكن أين وقع كل هذا ؟ "حي شعبي يدعى "القرية" .

نعم .. هو نفس الحي الشعبي بمدينة سلا، الذي أعاد الأخيرة إلى واجهة الأحداث الاجتماعية في البلاد، بعد توالي جرائم قتلٍ شنيعة وقعت فيه في ظرف زمني قصير، قبل أكثر من سنة.

 

وقفة احتجاجية العنف ضد الأطفال

 

وكانت آخرها جريمة قتل شاب في عقده الثاني من طرف شقيقين من ذوي السوابق القضائية، الأمر الذي أثار الكثير من الجدل وأنذر بحراك شعبي جديد بمدينة سلا المجاورة للعاصمة الرباط، مطلبه الأمن بشعارات من قبيل "نيني يا مومو تا تطيح بطانة" في دعوة لخطوة استباقية لمواجهة جرائم القتل المتشية في المدينة .

 

 

من جهتها أوردت خريطة الجرائم وفق إحصائيات رسمية بأن مدينة مراكش تعرف أكبر معدل للإجرام وصل إلى 3.33 في المائة، تليها مدينة سلا بمعدل 3.23 في المائة، ثم طنجة، وفاس بمعدل 2.29 في المائة.

في المقابل  تؤكد الجهات الحكومية ممثلة في وزارة الداخلية أن معدل الجريمة بالمغرب بكل أنواعها، يعتبر أحد أقل المعدلات عالمياً، إذ لا يتجاوز 21 قضية لكل 1000 مواطن سنوياً.

 

مسؤولية الدولة "تابثة"

 

وحول العنف ضد الأطفال على هامش الواقعتين الأخيرتين ترى نجية أديب،رئيسة جمعية متقيش ولادي، أن مسؤولية الدولة تابثة في الجريمتين معاً .

وتضيف نجية أديب في إتصال هاتفي لـ"بلبريس" "أصبحت الجريمة و العنف ضد الأطفال بشكل يومي ودائما الطفل هو من يدفع الثمن" .

وبالنسبة لواقعة العرائش تستغرب أديب  "في واقعة العرائش مثلا، الطفل يبلغ من العمر سبعة سنوات، وطرفا الجريمة هي زوجة أمه ووالده، الأخير الذي من المفروض أن يقدم له الحماية وهاهو نجده اليوم طرفا في واقعة القتل".

 

العنف ضد الأطفال بسلا

 

وتشدد المتحدثة "هذه البشاعة لم تعرفها البسيطة في وقت من الزمن، ونجدنا اليوم أمام انعدام الوازع الأخلاقي والإنساني بعيدا على الجانب الديني" .

وتتابع رئيسة جمعية "ماتقيسش ولادي" "المواطن لم يعد لديه خطوط حمراء، يلزمنا اليوم الوقوف على مسألة الردع القانوني والتربية" متسائلة "أين دور الوالدين؟ ولا يلزم ترك الأطفال وحيدين بالشارع" .

 

وعن الجهة المسؤولة عن الواقعتين معاً تخلص نجية أديب "الدولة تتحمل المسؤولية في جريمة سلا مثلا، فلماذا يُترك ذلك المختل في الشارع وهو يهدد سلامة المواطنين، والأحمق مكانه في المستشفى وليس في الحي" .

 

"العنف" جزء من التربية

 

الواقعتان معا تُسائل عن دور الدولة وفعاليات المجتمع المدني، في حماية الأطفال ضد العنف الذي لربما وإن تفاقم سينتج عنه ما لا يحمد عقباه .

 

منظمة الأمم المتحدة للطفولة، كشفت في تقرير لها صدر قبل سنتين،  أن حوالي 90 في المائة من الأطفال المغاربة المتراوحة أعمارهم بين سنتين و4 سنوات تعرضوا للعنف من طرف أولياء أمورهم بشكل منتظم بهدف الانضباط، إلى جانب تعرض حوالي 25 في المائة من الشريحة العمرية نفسها من الأطفال للعنف الجسدي.

 

تقرير لا يمكن إلا أن "يصدم"، ويدل عن مدى تعامل الأسرة المغربية مع الأطفال، وأفاد كذلك (التقرير) أن قرابة نصف البالغين في المغرب يعتبرون العنف أمر أساسي وضروري في تربية الأطفال وتعليمهم.

 

المؤبد هو الحكم الصائب

 

"لقاو ولدي فكاميو ديال الزبل وأنا أطالب بالمؤبد لأن الإعدام هي موتة ديال ليلة" مطلب لوالدة ضحية مدينة العرائش لقاتل إبنها .

 

 

وتضيف الأم المكلومة بعبارات مؤثرة "وجدو إبني في ثلاجة والده وزوجته، بعد أن رافقاه من المدرسة ولم يخبروني وعندما كنت أسألهم كانو ينكرون وجوده معهم ".

 

وخلصت الأم "إذا كان والده القاتل بريئا فيلزمه إحضار الشرطة ولا يتستر على الواقعة".

 

بأعين سوسيولوجيا الإجرام

 

جريمة "القتل" و"التقطيع" وكأننا أمام فيلم رعب نسجت مشاهده والسيناريو المحبوك به بإستوديوهات هوليود ، ومن هذه المشاهد والقصص المروية حول الواقعة نتساءل في عالم الإجرام عن الدوافع والأسباب التي تترك أبا يشارك في الواقعة .

 

عن هذا الموضوع، يقول عادل بلعمري باحث متخصص في سوسيولوجيا الإجرام، "الواقع أن شريحة الأطفال من أكثر الفئات الاجتماعية تعرضا لجميع أنواع الاعتداء سواء الجسدي كالضرب والجرح المفضي للقتل في بعض الأحيان أو حتى للاعتداء الجنسي المقرون بالعنف بالنظر للخصائص التي يتميز بها الضحية كونه ليست له تلك القدرة البدنية والجسمية للدفاع عن نفسه بحكم بنيته الجسمانية غير القوية وهذا ما يساعد الجاني على ويؤهله للإجهاز عليه بسرعة، لكن واقعة العرائش لها خصوصية ومن النادر حدوث مثل هذا الفعل الإجرامي لان الضحية هو الابن والجناة هم زوجة الأب والأب. وهذا في حد ذاته من شانه أن يغير تلك التمثلات والصور التي نحملها حول الظاهرة الإجرامية، بالنظر لكونها أصبحت لها أشكال وأنماط عديدة، فاقت وتجاوزت تلك الصور التقليدية منها، وهذا في حد ذاته تحول جدري في اتجاهات الجريمة والإجرام" متسائلا عن "الدوافع التي يمكن أن تدفع أبا للإجهاز على طفله بتلك الطريقة والتمثيل بجثثه؟ ".

 

وأكد بلعمري في تصريح خاص لـ"بلبريس"  "أن الجناة الذين أقدموا على قتل طفل بريء بداعي عدم تمتيعه من حقه في الحصول على النفقة الشهرية وحرمان أمه منه بصفة نهاية عبر قتله فهم يفتقدون لما يسمى بعوامل المقاومة وعوامل الضبط الداخلي للميولات والنزوعات العدوانية الفطرية، ولا يستجيبون لعوامل الضبط الخارجي المتجسدة في سلطة القوانين و العقوبات وردود الفعل الاجتماعية، بفعل غلبة عوامل شخصية أخرى، لكونهم لا يأبهون بمصير الآخرين، ولا يعيرون أهمية للأحكام القيمية والأخلاقية، لكون أصحاب الميول القهرية القبلية، يتوجهون للانتقال للفعل في كل موقف إجرامي يعترضهم لكونهم من من صنف المجرمين المتأصلين الذين تطغى عليهم الميولات الإجرامية القهرية".

 

ويكشف المتحدث أن الدافع الذي حرك الأب وزوجة الأب المشاركان في نسج خيوط هذه الجريمة ودفع بهم للانتقال لقتل الطفل وتقطيع جتثه والاحتفاظ بأجزاء منها داخل الثلاجة المنزلية بالمطبخ "سبب كامن داخلهما وليس خارجهما، وهو ما يسمى بالعوامل الداخلية والتي تحصل في الأساس نتيجة لعلاقة سلبية بين الدوافع والميولات الإجرامية لدى الأفراد المتأصلين وبين الدوافع الكابحة والضبط الفردي والاجتماعي، بمعنى أن جريمة قتل الطفل وتشويه جثته وقعت نتيجة لتغلب الدوافع والميولات الإجرامية المتمثلة في الحقد والكراهية على الطفل البريء، نظرا لتوفر الميول والنزوع الإجرامي القهري ودفعت إلى ارتكاب تلك الجريمة بتلك الطريقة الوحشية وما سهل الأمر هو عنصر الثقة  الذي استغله الجناة كفرصة إجرامية كونهم انفردوا بالضحية داخل البيت في ظل عدم وجود أي شخص يمكن أن يقدم له المساعدة وهو في حالة الخطر تلك ، الجريمة سهل على الجناة اقترافها لان الضمير و الوعي والحس الإنساني والأخلاقي وغريزة الأبوة والحنان العاطفي تم تغييبها وتعطيلها في تلك اللحظة".

 

"وجميعها عوامل واسباب داخلية مرتبطة بالدرجة الأولى بالجناة انفسهم، ومحاطة بالظروف وحالة النزاع العائلي مع أم الطفل كونهما في وضعية طلاق وكون الطفل الضحية يعيش مع امه، كل هاته أو عوامل خارجية ساهمت في ارتكاب هذه الجريمة، لأنها تداخلت مع العوامل الخارجية المرتبطة بالمحيط والبيئة، ما أصبح معه من الصعب عليهم أن يتراجعوا عن القيام بالفعل الإجرامي، لأنه في لحظة غياب أو سقوط أو تأثر القيم والمعايير، فالجناة يصبحون حينها غير مدركين بحجم العواقب الناتجة عن الأفعال الإجرامية التي يقومون بها، وهذا يؤدي إلى إبطال أو تغييب الضبط الذاتي، ومفعول الضبط الداخلي" خلص المتحدث .

 

"القرابة" سبب في القتل

 

أب وزوجته "شريكان" في قتل إبن في السابعة من عمره، بطريقة لا يمكن وصفها إلا بـ"البشعة"، معطى يكشف لنا مدى صحة تقرير أممي صدر السنة الماضية عن أن أكثر من ربع حالات القتل في المغرب وبينهم الأطفال يكون فيهم القاتل جزء ا من الأسرة الصغيرة .

 

ووفقا لتقرير مكتب المخدرات والجريمة التابع للأمم المتحدة، الذي صدر خلال الأسبوع الماضي، إلى ارتفاع عدد جرائم القتل في المغرب، حيث وصلت نسبتها إلى 2.1 من كل 100 ألف حالة وفاة، وأوضح التقرير أن عدد جرائم القتل وصل خلال عام 2017 إلى 761 حالة من مجموع 464 ألف جريمة قتل عبر العالم، وعرف عدد حالات القتل ارتفاعاً مقارنة بعام 2016 الذي بلغ فيه 594، في حين لم يتعد 89 عام 1990.

وأضاف التقرير الأممي أن 29 في المئة من جرائم القتل يقوم بها إما شريك حميم أو أحد أفراد العائلة، بينما تصل نسبة جرائم القتل التي ترتكب تحت تأثير الكحول إلى 19 في المئة، وعمليات السرقة التي تنتهي بالقتل إلى ثمانية في المئة، أما نسبة القتل في إطار الجريمة المنظمة فبلغت ثلاثة في المئة.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.