لم يكن أمام فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة المعينة، متسعا كبيرا من الوقت للمناورة. فمشاورات تشكيل الأغلبية تجري على إيقاع استحقاق مالي يقترب موعده، إذ يتعين إيداع مشروع قانون المالية لسنة 2027 قبل 20 أكتوبر. وهذا ما يجعل المفاوضات الجارية أكبر من مجرد نقاش حول عدد الحقائب الوزارية ونصيب كل حزب منها؛ فالمطلوب هو تشكيل حكومة تستطيع الانطلاق في العمل، في وقت لا تنتظر فيه الإدارة ولا المؤسسات اكتمال الحسابات السياسية.
المعضلة التي تواجه المنصوري واضحة، وإن لم تكن سهلة الحل. فالإسراع في تشكيل الحكومة قد يختصر الوقت، لكنه لا يضمن وحده الانسجام بين مكوناتها. وفي المقابل، فإن إطالة المشاورات بحثا عن توافق أوسع قد تجعل الحكومة تدخل أولى محطاتها وهي مطالبة بالتعامل مع قرارات مالية أُعد جزء مهم منها قبل ولادتها. وبين هذين الاحتمالين، ستظهر قدرة رئيسة الحكومة المعينة على إدارة التفاوض، لا باعتباره سباقا نحو توزيع المناصب، بل باعتباره فرصة للاتفاق على ما تريد الأغلبية الجديدة فعله فعلا.
وتكمن أهمية مالية 2027 في أنها ستكون من أولى المحطات التي ستكشف اختيارات الحكومة المقبلة. فالأرقام المدرجة في المشروع ليست مجرد جداول للمداخيل والنفقات؛ إنها تعكس، في نهاية المطاف، القطاعات التي ستستفيد من الأولوية، وحجم الموارد التي ستوجه إلى الالتزامات الاجتماعية والاقتصادية، ومدى استعداد الحكومة لترجمة وعودها إلى قرارات قابلة للتنفيذ. لذلك، لن يكون كافيا أن تعلن المنصوري عن تشكيلة حكومية جديدة، بل سيكون عليها أن تشرح ما الذي يمكن أن يتغير في توجهات الميزانية، وما الذي ستضطر إلى مواصلة العمل به بحكم الالتزامات القائمة.
لكن المسألة لا تُحسم سياسيا فقط. فالدستور يحدد مسارا واضحا لإعداد مشروع قانون المالية. وينص الفصل 49 على التداول في التوجهات العامة للمشروع داخل المجلس الوزاري، فيما يحدد الفصل 92 اختصاصات مجلس الحكومة، ومنها التداول في مشاريع القوانين قبل إيداعها لدى البرلمان، مع مراعاة المقتضيات الدستورية ذات الصلة. أما الفصل 75 فيؤطر إيداع مشروع قانون المالية والتصويت عليه وفق الشروط التي يحددها القانون التنظيمي.
والأمر نفسه ينطبق على تشكيل الحكومة. فتعيين أعضائها لا يعني أنها أصبحت منصبة بصورة نهائية؛ إذ ينص الفصل 88 على عرض البرنامج الحكومي أمام مجلسي البرلمان مجتمعين، ثم مناقشته والتصويت عليه داخل مجلس النواب، الذي يمنح الثقة بالأغلبية المطلقة لأعضائه. ولهذا، فإن الحديث عن إنهاء كل هذه الإجراءات في أيام قليلة يظل رهينا بما ستسفر عنه المشاورات وبالمواعيد الفعلية للمحطات المؤسساتية، وليس بمجرد جدول زمني متفائل.
![]()
ومع ذلك، سيكون من الخطأ الاعتقاد بأن مشروع مالية 2027 ينتظر تشكيل الحكومة حتى يبدأ إعداده. فالتحضير للميزانية عملية إدارية وتقنية تسبق عادة الإعلان عن التشكيلة الحكومية، وتشارك فيها قطاعات ومؤسسات متعددة. وهذا يعني أن المنصوري لن تبدأ من ورقة بيضاء؛ بل ستجد أمامها عملا سبق إنجازه، وستكون أمام سؤال عملي: ما حجم التعديلات الممكنة على الاختيارات التي أُعدت، وأين تستطيع الحكومة الجديدة أن تضع بصمتها من دون الإخلال بالآجال القانونية أو بالالتزامات القائمة؟
وتبرز هنا حدود دور حكومة عزيز أخنوش خلال مرحلة تصريف الأمور الجارية. فاستمرار الحكومة المنتهية مهامها يهدف إلى ضمان السير العادي للمرافق والمؤسسات، لكن ذلك لا يعني أن كل القرارات متشابهة أو أن الحكم عليها يمكن أن يتم بقاعدة عامة واحدة. ومن ثم، لا يصح القول إن الحكومة الحالية ممنوعة مطلقا من اتخاذ أي إجراء يهم مشروع قانون المالية، من دون فحص طبيعة الإجراء وسنده القانوني ومدى دخوله ضمن حدود تصريف الأمور الجارية. فالدقة في هذه النقطة ضرورية، لأن الأمر يتعلق باختصاصات مؤسساتية لا بمجرد تقدير سياسي.
أما الأحزاب التي تتفاوض بشأن الأغلبية، فليست خارج هذه المسؤولية. فحين يتحول النقاش إلى منافسة حول الحقائب والمواقع، يصبح الاتفاق معرضا لأن ينقل الخلافات إلى داخل الحكومة بدل أن ينهيها. والمطلوب ليس التوصل إلى تفاهم سريع بأي ثمن، بل اختيار فريق قادر على الاشتغال معا، وتحديد أولويات مشتركة يمكن الدفاع عنها أمام البرلمان والرأي العام. فالحكومة لا تُختبر يوم إعلان أسمائها فقط، وإنما حين تضطر إلى اتخاذ قرارات قد لا ترضي جميع مكوناتها بالقدر نفسه.
ومن هنا، لا ينبغي تحميل المنصوري وحدها مسؤولية ضيق الوقت أو تعقيدات التفاوض، لأن نجاح تشكيل الأغلبية يتوقف على استعداد مختلف الأحزاب لتقديم تنازلات متبادلة. لكن موقعها يضعها في واجهة الاختبار: فهي مطالبة بجمع هذه الأطراف حول صيغة سياسية قابلة للاستمرار، وفي الوقت نفسه بتجنب أن تتحول المشاورات إلى غاية في حد ذاتها، بينما تتقدم الاستحقاقات المالية والمؤسساتية.
وعليه، بعد اعلان تشكيلة الاغلبية الحكومية هذا المساء ، من المرتقب، أن يشكل يوم الثلاثاء محطة لانتخاب رئيس مجلس النواب وهياكله، في خطوة مؤسساتية تسبق استكمال باقي الإجراءات المرتبطة بتنصيب الحكومة الجديدة، فيما قد يمكن استقبال أعضاء الحكومة الجديدة من طرف الملك محمد السادس يوم الاربعاء، وتعيينهم وفق المقتضيات الدستورية.
في ما قد يشكل يوم الخميس موعدا لعقد أول مجلس حكومي للمنصوري، لترتيب أولويات العمل الحكومي ومناقشة مشروع التصزيح الحكومي، قبل الانتقال إلى مرحلة عرضه أمام البرلمان ومناقشته والتصويت عليه يومي الخميس والجمعة، وفق المساطر الدستورية المعمول بها.
في انتطار عقد أول مجلس وزاري برئاسة جلالة الملك يوم الجمعة أو السبت، تبعا للجدولة المؤسساتية وتوفر الشروط اللازمة، بما يسمح للحكومة الجديدة بالانتقال إلى مرحلة تدبير الملفات الاستراتيجية وتنزيل التوجهات العامة لبرنامجها.
ومن المنتظر ان تنطلق الحكومة الجديدة في ممارسة مهامها الدستورية والسياسية بشكل فعلي يومي الاثنين أو الثلاثاء 19 و20 أكتوبر، بعد استكمال الإجراءات الدستورية والقانونية اللازمة من تشكيل للحكومة وتعيين ملكي وتنصيب برلماني لها،وعقد مجلس حكومي ومجلس وزاري بعد التصويت على مشروع قانون المالية مع احترام أجل 20 أكتوبر 2026، حيث تنص المادة 48 من القانون التنظيمي لقانون المالية على إيداع مشروع قانون المالية للسنة بالأسبقية لدى مكتب مجلس النواب في 20 أكتوبر من السنة الجارية على أبعد تقدير.
وبذلك، فإن يوم 20 أكتوبر 2026 هو الأجل القانوني الأقصى لإيداع مشروع قانون المالية لسنة 2027، وليس مجرد موعد سياسي قابل للتأجيل بقرار حكومي عادي.