من يهمس في أذن المنصوري؟ خريطة المقربين ومراكز النفوذ حول رئيسة الحكومة

لم يعد فهم صعود فاطمة الزهراء المنصوري إلى رئاسة الحكومة مرتبطاً بمسارها الشخصي وحده، ولا بموقعها داخل حزب الأصالة والمعاصرة فقط، بل أصبح يستدعي النظر أيضاً إلى شبكة الشخصيات التي أحاطت بها طوال سنوات، بين مقربين تربطهم بها علاقات ثقة شخصية، وقيادات تمسك بمفاصل الجهاز الحزبي، وشخصيات تاريخية تمتلك شبكاتها الخاصة، وأخرى صعدت إلى مواقع متقدمة بدعم منها.

 

فبعد سنوات من الحضور في مراكش ثم داخل حزب الأصالة والمعاصرة، أصبحت المنصوري أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة المغربية، في تتويج لمسار سياسي طويل بدأ من عاصمة النخيل، قبل أن يتوسع إلى الرباط ومختلف مراكز القرار الحزبي والسياسي. وتكشف خريطة المقربين منها عن شبكة متعددة المستويات، لا تقوم كلها على الولاء الشخصي، بل تشمل أيضاً حسابات التوازن والنفوذ والخبرة والانتخابات.

 

خديجة الطالبي.. أكثر من مديرة ديوان

 

في الدائرة الأقرب إلى المنصوري تبرز خديجة الطالبي، التي رافقتها منذ سنواتها الأولى في تدبير مدينة مراكش.

 

تولت الطالبي إدارة ديوان المنصوري في جماعة مراكش بين عامي 2009 و2015، ثم عادت إلى المنصب نفسه منذ سنة 2021، عندما استأنفت المنصوري رئاسة مجلس المدينة. كما اضطلعت بتسيير الأعمال اليومية خلال الفترة التي جمعت فيها المنصوري بين رئاسة الجماعة وحقيبة الإسكان.

 

وبحسب المصادر التي استند إليها التحقيق، فإن موقع الطالبي لا يفسر فقط بعضويتها في حزب الأصالة والمعاصرة، وإنما أساساً بعلاقتها الشخصية الوثيقة بالمنصوري، إلى درجة تشبيهها داخل الحزب بـ«الأخت» أو «الشبيهة» بها.

 

مهدي بنسعيد.. ثنائي سياسي مع المنصوري

 

في المستوى السياسي، يبرز اسم مهدي بنسعيد باعتباره أحد أهم شركاء المنصوري داخل الحزب.

 

العلاقة بين الرجلين توصف داخل الحزب بأنها شراكة سياسية وثيقة، حتى إن أحد المصادر لخصها بالقول إن حضور أحدهما غالباً ما يعني حضور الآخر. وبنسعيد، الذي كان وزيراً للثقافة والشباب والتواصل، شغل موقعاً بارزاً في القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة.

 

بنسعيد ليس وافداً جديداً على الحزب؛ فقد راكم تجربة سياسية طويلة، وكان نائباً برلمانياً ورئيساً للجنة الشؤون الخارجية، كما ارتبط في بدايات مساره بعدد من الوجوه المؤسسة للحزب.

 

وتشير القراءة التي يقدمها التحقيق إلى أن بنسعيد والمنصوري يمثلان جيلاً سياسياً جديداً داخل «الجرار»، استفاد من التحولات التي عرفها الحزب خلال السنوات الماضية، وسعى إلى تجاوز بعض الأساليب القديمة في تدبيره.

 

سمير كودار.. رجل الجهاز

 

إذا كانت الطالبي تمثل دائرة الثقة الشخصية، وبنسعيد يمثل الشراكة السياسية، فإن سمير كودار يمثل جانباً آخر أكثر ارتباطاً بالجهاز الحزبي والانتخابات.

 

كودار، رئيس جهة مراكش-آسفي، يوصف بأنه أحد أبرز رجال المنظومة التنظيمية لحزب الأصالة والمعاصرة، وأنه يمسك بجزء مهم من الآلة الحزبية والمنتخبين.

 

كما ارتبط اسمه بملف الترشيحات والاستحقاقات الانتخابية، وترأس اللجان التحضيرية لمؤتمري الحزب في 2020 و2024، قبل أن يتولى إدارة الحملة الانتخابية سنة 2021.

 

مساره نفسه يعكس تعدد شبكات الحزب؛ فقد بدأ من آسفي، وارتبط في بداياته بشخصيات ذات خلفيات سياسية مختلفة، قبل أن يصعد داخل بنية الأصالة والمعاصرة.

 

وهكذا، فإن أهمية كودار بالنسبة إلى المنصوري لا ترتبط فقط بقربه منها، بل بقدرته على التعامل مع الجهاز والمنتخبين والانتخابات.

 

فاطمة سعدي.. بوابة نحو الريف

 

ضمن القيادة الجماعية للحزب، تبرز فاطمة سعدي، النائبة البرلمانية والرئيسة السابقة لجماعة الحسيمة.

 

وتتمتع سعدي بعلاقة شخصية مع المنصوري، لكن مصدر قوتها لا يأتي من هذه العلاقة وحدها؛ فهي تمتلك امتداداً سياسياً وجمعوياً في منطقة الريف، كما أنها من الوجوه التاريخية داخل حزب الأصالة والمعاصرة، وكانت من النساء اللواتي حضرن في المكتب السياسي المؤسس للحزب سنة 2008.

 

ويمنحها ذلك موقعاً مختلفاً داخل شبكة المنصوري: فهي تجمع بين الثقة الشخصية والامتداد الجغرافي والتاريخ الحزبي.

 

أحمد أخشيشن.. الاستراتيجي وصلة الوصل

 

على مستوى آخر تظهر شخصية أحمد أخشيشن، أحد أبرز الوجوه التاريخية في الحزب.

 

أخشيشن، الوزير السابق والرئيس السابق لجهة مراكش-آسفي، ينحدر من مراكش مثل المنصوري، ويشارك في بناء المشروع الفكري والسياسي للحزب من خلال موقعه في الأكاديمية والمركز البحثي التابعين له.

 

ولا يصنف التحقيق أخشيشن ببساطة ضمن «مساعدي المنصوري»، بل يقدمه كشخصية تاريخية ذات وزن مستقل داخل الحزب، مع دور استراتيجي وفكري، فضلاً عن كونه قناة اتصال مهمة مع دوائر عليا.

 

محمد حموتي.. الرجل الذي يفكر بالأرقام

 

في الملفات الانتخابية، يظهر محمد حموتي بوصفه أحد أكثر الأسماء تحفظاً واشتغالاً في الظل.

 

وحموتي، المتخصص في الرياضيات والذي خاض في شبابه تجربة سياسية يسارية، ارتبط لسنوات بالملفات الانتخابية داخل الأصالة والمعاصرة.

 

عمل في لجنة الانتخابات، وتصفه مصادر التحقيق بأنه يشتغل بطريقة تقوم على الأرقام والجداول والخرائط التنظيمية، مع امتلاك قنوات اتصال في الرباط والريف.

 

وبالتالي، فإن قوته لا تأتي من الظهور الإعلامي، وإنما من معرفته الدقيقة بـالخريطة الانتخابية والتنظيمية.

 

فوزي لقجع.. شريك التوازنات وليس مجرد مقرب

 

يحتل فوزي لقجع موقعاً مختلفاً داخل هذه الخريطة.

 

فهو ليس من النوع نفسه من الشخصيات التي يمكن وصفها ببساطة بأنها «مقربة من المنصوري». لقجع يمتلك شبكة ونفوذاً خاصين به، سواء في المجال الاقتصادي أو الرياضي أو الإفريقي والدولي.

 

وخلال الانتخابات، لعب دوراً بارزاً في دعم مرشحي حزب الأصالة والمعاصرة، فيما ارتبط اسمه بالبرنامج الاقتصادي للحزب.

 

وتزداد أهمية موقعه بسبب علاقاته الواسعة في كرة القدم الإفريقية والدولية، ودوره في التحضير لكأس العالم 2030.

 

ولهذا يضعه التحقيق ضمن أصحاب التوازنات؛ أي الشخصيات التي تمتلك قوة خاصة بها، ويمكن أن تكون شريكاً أساسياً في هندسة المرحلة المقبلة، وليس مجرد عضو في دائرة المنصوري.

 

عبد اللطيف وهبي.. خصم سابق وشريك في التوازن

 

العلاقة مع عبد اللطيف وهبي أكثر تعقيداً.

 

وهبي قاد حزب الأصالة والمعاصرة بين 2020 و2024، في مرحلة كانت فيها المنصوري رئيسة للمجلس الوطني للحزب وصاحبة تأثير واضح داخله.

 

ورغم اختلاف التيارين في بعض الملفات، حافظت العلاقة بينهما على قدر من الاحترام والتوافق السياسي.

 

وبعد انتقال قيادة الحزب إلى المنصوري، لم يختف وهبي من المشهد، بل احتفظ بموقعه السياسي والحكومي.

 

وهنا تكمن أهمية العلاقة: فوهبي يمتلك شبكة خاصة به، ولذلك فإن وجوده داخل المعادلة يمثل جزءاً من التوازن الداخلي للحزب وليس مجرد ولاء شخصي للمنصوري.

 

«المحظيون».. وجوه صعدت في ظل المنصوري

 

إلى جانب رجال الجهاز والشخصيات التاريخية، يبرز عدد من الوجوه التي ارتبط صعودها السياسي بشكل أو بآخر بدعم المنصوري.

 

من بينهم يونس معمر، الخبير في الطاقة والمدير العام السابق للمكتب الوطني للكهرباء والمسؤول السابق في البنك الدولي، والذي يُنظر إليه داخل الحزب باعتباره من الأسماء القادرة على لعب دور أكبر مستقبلاً.

 

كما يبرز خالد الحاتمي، المرتبط بالملفات الاقتصادية والفلاحية، والذي انتقل من البرلمان إلى الوكالة الوطنية لتقنين الكهرباء.

 

ويأتي أيضاً عادل البيطار، النائب عن الدار البيضاء ورئيس هيئة الموثقين، والذي كان من الأسماء المتداولة لتولي حقيبة وزارية.

 

أما سمير بلفقيه، فيمثل الجانب الأكاديمي والسياسي والإعلامي؛ فقد كان نائباً برلمانياً وأستاذاً جامعياً، ثم عاد إلى الواجهة خلال الحملة الانتخابية، وحظي بدعم واضح من قيادة الحزب.

 

أديب بنبراهيم.. تكنوقراطي بطموح سياسي

 

أديب بنبراهيم يمثل نموذجاً مختلفاً داخل هذه الشبكة.

 

فهو رجل أعمال وخبير محاسباتي، اختاره مهدي بنسعيد، قبل أن يتولى منصب كاتب الدولة المكلف بالإسكان في 2024 تحت إشراف المنصوري.

 

لكن العلاقة بين الطرفين لم تكن دائماً سلسة، بحسب التحقيق، إذ يتمتع بنبراهيم بطموح سياسي وشبكة علاقات خاصة به.

 

وهذا يعكس مرة أخرى طبيعة المحيط السياسي للمنصوري: فليس كل من يعمل معها تابعاً لها بالضرورة، بل هناك شخصيات تمتلك طموحاتها وعلاقاتها ومراكز قوتها الخاصة.

 

نجوى ككوس.. علاقة قوية لكنها ليست خطاً مستقيماً

 

أما نجوى ككوس، رئيسة المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة والنائبة البرلمانية عن الدار البيضاء، فتحتل موقعاً مهماً داخل الحزب.

 

كانت علاقتها بالمنصوري قوية خصوصاً خلال الفترة التي واجهتا فيها نفوذ إلياس العماري، لكن العلاقة عرفت لاحقاً فترات من التقارب والتباعد.

 

ومع ذلك، فإن وزن ككوس داخل الحزب يجعلها جزءاً مهماً من المشهد المحيط بالمنصوري، خصوصاً أنها تجمع بين الموقع التنظيمي والحضور البرلماني والامتداد داخل شبيبة الحزب سابقاً.

 

شبكة واحدة.. لكن ولاءات متعددة

 

اللافت في خريطة المقربين من فاطمة الزهراء المنصوري أن هذه الشبكة لا تبدو كتجمع مغلق من الأشخاص الذين يدينون لها بالولاء المطلق.

 

هناك دائرة ثقة شخصية، يمثلها أشخاص مثل خديجة الطالبي.

 

وهناك دائرة الشراكة السياسية، وفي مقدمتها مهدي بنسعيد.

 

وهناك الجهاز الانتخابي والتنظيمي، مع أسماء مثل سمير كودار ومحمد حموتي.

 

وهناك الاستراتيجيون والشخصيات التاريخية مثل أحمد أخشيشن.

 

ثم هناك أصحاب النفوذ المستقل مثل فوزي لقجع وعبد اللطيف وهبي، الذين يمتلك كل واحد منهم شبكة سياسية ومؤسساتية خاصة.

 

وأخيراً، هناك جيل من الوجوه الصاعدة التي استفادت من دعم المنصوري أو تحركت داخل المجال السياسي الذي تقوده.

 

وهذا هو الجانب الأكثر أهمية في هذه الخريطة: المنصوري لا تقود شبكة واحدة متجانسة، وإنما تتعامل مع عدة شبكات متقاطعة.

 

من مراكش إلى الرباط

 

ربما يكون أهم ما تكشفه هذه الخريطة هو التحول الجغرافي والسياسي في مسار المنصوري.

 

فمراكش كانت نقطة الانطلاق، ومنها جاءت شبكة من العلاقات السياسية والشخصية التي رافقتها منذ وصولها إلى رئاسة المجلس الجماعي سنة 2009.

 

لكن هذه الشبكة توسعت تدريجياً لتشمل الرباط، والدار البيضاء، والريف، وسوس، ومراكز القرار الاقتصادي والانتخابي والحزبي.

 

ومع وصولها إلى رئاسة الحكومة، تصبح هذه الشبكة أمام اختبار جديد: الانتقال من إدارة حزب وجماعة محلية إلى إدارة حكومة تحتاج إلى موازنة أحزاب ومؤسسات وشخصيات ذات مراكز قوة مستقلة.

 

لذلك، فإن السؤال لم يعد فقط: من هم المقربون من فاطمة الزهراء المنصوري؟

 

بل أصبح: كيف ستستخدم رئيسة الحكومة هذه الشبكات المختلفة للحفاظ على التوازنات وبناء فريقها السياسي والحكومي؟

 

وفي النهاية، تبدو «مجرة المنصوري» أقل شبهاً بدائرة مغلقة من الأصدقاء، وأكثر شبهاً بخريطة من المصالح والثقة والخبرة والتوازنات. وبعض الأشخاص قد يكونون قريبين منها اليوم، بينما يمتلك آخرون شبكات مستقلة يمكن أن تصبح حاسمة غداً.

 

وهذا بالضبط ما يجعل فهم الأشخاص المحيطين بها جزءاً أساسياً من فهم المرحلة السياسية الجديدة في المغرب.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *