أسعار الوقود تشتعل في إفريقيا والمغرب ضمن قائمة الأغلى

لم تعد تقلبات أسعار النفط في الأسواق العالمية مجرد أرقام تتغير على شاشات التداول، بل تحولت إلى ضغط مباشر على ميزانيات الأسر والاقتصادات الإفريقية، في ظل تصاعد التوترات العسكرية في الشرق الأوسط واستمرار حالة عدم اليقين بشأن إمدادات الخام. وبينما تستفيد بعض الدول المنتجة من دعم حكومي يخفف كلفة الوقود، تجد دول أخرى نفسها أمام أسعار مرتفعة تتزايد معها أعباء النقل والاستيراد والضرائب.

وتتجه الأنظار بشكل خاص إلى مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة العالمية، إذ تمر عبره نسبة تتجاوز 20 في المائة من الإمدادات العالمية من النفط الخام. وأدى التوتر المحيط بهذا الممر البحري إلى زيادة المخاوف بشأن سلامة الإمدادات ورفع تكاليف النقل والتأمين، خصوصاً بعدما اختارت شركات كبرى في قطاع الشحن البحري تجنب بعض المسارات التقليدية والالتفاف حول مناطق التوتر.

ومن شأن هذه الاضطرابات أن تنعكس بسرعة على أسعار المنتجات النفطية المكررة، التي قد ترتفع بوتيرة أسرع من أسعار الخام نفسها، خاصة في ظل محدودية قدرات التكرير في عدد من الدول الإفريقية واعتمادها الكبير على استيراد الوقود الجاهز.

وتكشف أحدث بيانات منصة «Global Petrol Prices»، المحدثة في 10 غشت 2026 والمغطية لـ170 دولة، عن تفاوت هائل في تكلفة الوقود عالمياً. فقد بلغ سعر لتر البنزين 0,024 دولار فقط في ليبيا، مقابل 4,163 دولارات في هونغ كونغ، ما يعني أن ثمن لتر واحد في السوق الأخيرة يعادل أكثر من 170 لتراً في ليبيا.

وتبدو المفارقة أكثر وضوحاً داخل القارة الإفريقية، حيث تتجاور أسواق تقدم الوقود بأسعار شديدة الانخفاض مع أخرى تصل فيها كلفة اللتر إلى مستويات قياسية.

وتكشف هذه القائمة أن انخفاض أسعار الوقود لا يرتبط دائماً بحجم الإنتاج النفطي، بل يتصل بدرجة كبيرة بسياسات الدعم التي تعتمدها الحكومات. وتتصدر ليبيا المشهد بسعر بالغ الانخفاض، مستفيدة من دعم حكومي واسع يجعل أسعار المحروقات بعيدة بشكل كبير عن مستوياتها الحقيقية في السوق الدولية.

كما تحافظ أنغولا والجزائر ومصر على أسعار منخفضة نسبياً، في حين يظهر السودان وتونس والنيجر ونيجيريا ضمن قائمة الأسواق الأقل تكلفة، إلى جانب إثيوبيا والغابون.

وراء الأسعار المنخفضة توجد كلفة مالية تتحملها خزائن الدول. فالدعم المباشر للمحروقات يسمح بتقليص السعر الذي يدفعه المستهلك، لكنه في المقابل يرفع الضغط على المالية العمومية، خصوصاً عندما ترتفع أسعار النفط عالمياً أو تتراجع قيمة العملة المحلية.

وتبرز إثيوبيا نموذجاً لافتاً في هذا المجال، رغم أنها ليست دولة نفطية. فقد تحملت الخزينة أعباء كبيرة للحفاظ على أسعار الوقود، بالتزامن مع ارتفاع فاتورة الاستيراد وضغوط العملة الأجنبية.

وفي محاولة لتقليص الاعتماد على الوقود التقليدي، اتجهت أديس أبابا إلى تشجيع النقل الكهربائي، وفرضت منذ 2024 قيوداً على استيراد المركبات التي تعمل بالبنزين والديزل، في خطوة تستهدف تخفيف الضغط على فاتورة الطاقة مستقبلاً.

في الطرف المقابل، تظهر ملاوي كأحد أبرز ضحايا ارتفاع تكاليف الطاقة في القارة، إذ بلغ سعر لتر البنزين فيها نحو 3,237 دولارات، بينما وصل سعر الغازوال إلى 3,377 دولارات، وفق البيانات نفسها.

ولا يرتبط هذا المستوى المرتفع فقط بسعر النفط العالمي، بل يتداخل مع أزمة النقد الأجنبي وارتفاع كلفة الاستيراد وصعوبة النقل، فضلاً عن تراجع قيمة العملة المحلية «الكواشا».

وتأتي رواندا وزيمبابوي وإفريقيا الوسطى وسيشل وسيراليون وأوغندا والرأس الأخضر وكينيا ضمن الأسواق التي تسجل بدورها أسعاراً مرتفعة، فيما يظهر المغرب في قائمة الدول الإفريقية الأعلى تكلفة بالنسبة إلى البنزين.

ولا تحدد أسعار النفط العالمية وحدها قيمة اللتر الذي يدفعه المستهلك في محطة الوقود. فالسعر النهائي يتشكل من مجموعة عناصر تبدأ بكلفة الخام أو المنتجات المكررة، وتمر عبر النقل والتأمين والتخزين والتوزيع، وصولاً إلى الضرائب والرسوم وسياسات الدعم.

وتزداد حدة المشكلة في الدول التي لا تتوفر على قدرات تكرير كافية، إذ تضطر إلى استيراد كميات كبيرة من المنتجات النفطية الجاهزة. وفي هذه الحالة يصبح المستهلك عرضة ليس فقط لتقلبات سعر الخام، بل أيضاً لتغير تكاليف الشحن والتأمين وأسعار الصرف وهوامش التكرير.

كما يشكل ضعف البنية التحتية اللوجستية عاملاً إضافياً في ارتفاع الأسعار، خصوصاً في الدول غير الساحلية التي تتحمل تكاليف إضافية لنقل الوقود من الموانئ إلى الأسواق الداخلية.

وتلعب الجباية دوراً مركزياً في تحديد السعر النهائي للمحروقات. فالدول تفرض عادة ضرائب ورسوم مختلفة على البنزين والغازوال، بعضها ثابت لكل لتر، فيما يرتبط بعضها الآخر بالقيمة الإجمالية للمنتج.

وتظهر الضريبة الداخلية على الاستهلاك وضريبة القيمة المضافة ضمن أبرز المكونات الجبائية، ما يعني أن ارتفاع السعر الأساسي للوقود قد يؤدي بدوره إلى ارتفاع قيمة بعض الضرائب المحسوبة كنسبة مئوية من السعر.

وفي المغرب، تخضع أسعار المحروقات للمراجعة بشكل دوري، فيما تدخل الضرائب ضمن مكونات السعر النهائي. ويشمل ذلك الضريبة الداخلية على الاستهلاك وضريبة القيمة المضافة، وهو ما يجعل تطورات السوق الدولية وأسعار الاستيراد عوامل مؤثرة بشكل مباشر أو غير مباشر في تكلفة الوقود بالنسبة إلى المستهلك.

أما في فرنسا، فتشكل الضرائب بدورها حصة كبيرة من سعر اللتر، ما يوضح أن ارتفاع أسعار المحروقات ليس ظاهرة مرتبطة بالدول الإفريقية وحدها، بل يمثل أحد مصادر الإيرادات العمومية في العديد من الاقتصادات.

وتكشف موجات الغلاء الحالية عن هشاشة اعتماد عدد من الاقتصادات الإفريقية على الوقود الأحفوري المستورد. فكل اضطراب في طرق الملاحة أو ارتفاع في أسعار الخام أو تراجع في قيمة العملة يمكن أن ينتقل سريعاً إلى محطات الوقود، ثم إلى أسعار النقل والسلع والخدمات.

ولهذا السبب، تتجه دول إفريقية بشكل متزايد نحو تنويع مصادر الطاقة، سواء عبر الطاقة الشمسية أو الريحية أو الكهرومائية، بالتوازي مع تطوير النقل الكهربائي.

وبالنسبة إلى القارة التي تمتلك مؤهلات طبيعية ضخمة في مجال الطاقات المتجددة، قد تتحول أزمة الوقود الحالية إلى حافز لتسريع الانتقال الطاقي، وتقليص فاتورة استيراد المحروقات، والحد من تعرض الاقتصادات المحلية للصدمات القادمة من أسواق النفط العالمية.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *