في خطوة تمثل تتويجا لمسار تدرجي من التطبيع، حط رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، الاثنين 20 يوليوز 2026، الرحال بالجزائر العاصمة في أول زيارة له منذ اندلاع الأزمة الدبلوماسية بين البلدين في 2022 .
وتأتي هذه الزيارة، التي تعتبر الأولى لسانشيز إلى الجزائر منذ أكتوبر 2020، في سياق إقرار جزائري ضمني بـ”الأمر الواقع” الذي فرضه الموقف الإسباني الثابت من ملف الصحراء المغربية، حيث لم تتراجع مدريد قيد أنملة عن دعمها لمخطط الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب .
من أزمة دبلوماسية إلى واقع جديد
وكانت العلاقات قد شهدت قطيعة حادة في مارس 2022، عندما أعلنت إسبانيا، عبر رسالة من سانشيز إلى العاهل المغربي، دعمها لمخطط الحكم الذاتي المغربي باعتباره “الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية” لحل نزاع الصحراء . هذا التحول في الموقف، الذي أنهى عقودا من الحياد الإسباني، قوبل بغضب شديد من الجزائر، الداعم الرئيسي لجبهة البوليساريو، والتي سارعت إلى سحب سفيرها من مدريد وتعليق معاهدة الصداقة وحسن الجوار الموقعة عام 2002، إضافة إلى تجميد التبادل التجاري باستثناء تدفقات الغاز .
غير أن إسبانيا لم تتراجع عن موقفها، وهو ما اضطر الجزائر مع مرور الوقت إلى التعامل مع المعطى الجديد. فبعد سنوات من التوتر، بدأ الذوبان التدريجي مع تعيين سفير جديد في مدريد في ديسمبر 2023، ورفع القيود التجارية في نوفمبر 2024، قبل أن يعلن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، في مارس 2026، إعادة تفعيل معاهدة الصداقة رسميا .
طاقة وهجرة واستثمارات.. في قلب المحادثات
يرافق سانشيز في زيارته وفد حكومي رفيع المستوى يضم النائبة الثالثة لرئيس الحكومة ووزيرة الانتقال الإيكولوجي سارة آخيسن، ووزير الخارجية خوسيه مانويل ألباريس، إضافة إلى ممثلين عن شركات الطاقة الإسبانية الكبرى مثل ريبسول وناتورجي .
ويمثل ملف الطاقة المحور الأبرز في هذه الزيارة، حيث تسعى مدريد إلى زيادة تدفقات الغاز الجزائري في ظل التوترات الجيوسياسية العالمية التي تهدد إمدادات الطاقة . وتطمح إسبانيا إلى رفع صادرات الغاز عبر خط أنابيب ميدغاز بنسبة 10%، مع مضاعفة كميات الغاز الطبيعي المسال القادمة بحرا . ورغم ذروة الأزمة السياسية، ظلت الجزائر ملتزمة بتعهداتها الطاقية، مما جعلها “موردا موثوقا” لأسبانيا، وهو ما يشكل العمود الفقري للعلاقات بين البلدين .
كما تشمل أجندة الزيارة ملفات الهجرة غير الشرعية، والأمن في منطقة الساحل، واستعادة الأصول الجزائرية المجمدة في إسبانيا، فضلا عن تعزيز التعاون الاقتصادي في قطاعات البنية التحتية والطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر .
ثبات الموقف الإسباني.. وإقرار جزائري
ورغم التقارب، تؤكد مصادر رسمية في مدريد أن الموقف الإسباني من الصحراء لم يتغير ولن يتغير، وأن الزيارة تهدف إلى طي صفحة الأزمة وتطوير العلاقات انطلاقا من المصالح المشتركة .
وتشير التحليلات إلى أن الجزائر، التي كانت تراهن على تراجع إسبانيا، وجدت نفسها مضطرة للقبول بالوضع الجديد، خاصة مع استمرار تدفق الغاز الإسباني وعدم تأثر سوق الطاقة، وبروز مصالح اقتصادية وأمنية تجمع البلدين .
وكانت إسبانيا قد عززت موقفها الداعم للمغرب عبر خطوات سياسية إضافية، مثل تحرك البرلمان الإسباني لمنح الجنسية للصحراويين المولودين تحت الإدارة الإسبانية، مما يعد مؤشرا على استمرار نهج مدريد الداعم للحل المغربي .
وتشكل زيارة سانشيز إلى الجزائر تتويجا لفصل دبلوماسي حاد، لكنها أيضا إقرار ضمني من الجزائر بأن موقف إسبانيا من قضية الصحراء قد استقر في خانة “الأمر الواقع” الذي لم يعد ممكنا التراجع عنه.
وبينما تطوي مدريد صفحة الخلاف وتركز على تعزيز التعاون الاقتصادي والطاقوي، يبقى ملف الصحراء حاضرا كخلفية للعلاقة الجديدة، وإن كان دوره كأداة ضغط قد تراجع لصالح حساب المصالح المشتركة .