دبلوماسية التراجع.. باماكو تكسر شوكة الجزائر وتبون يفتح باب المصالحة

لم تكن زيارة الوزير الأول المالي عبد الله مايغا إلى الجزائر، يوم الاثنين 24 غشت 2026، مجرد محطة بروتوكولية لإعادة تشغيل قنوات التواصل بين بلدين جارين، بقدر ما بدت محاولة جزائرية لاحتواء واحدة من أكثر الأزمات الدبلوماسية كلفة على نظام عبد المجيد تبون. فبعد أكثر من عام من القطيعة والتصعيد، وجدت الجزائر نفسها أمام واقع سياسي جديد في الساحل، دفعها إلى إعادة فتح الباب مع باماكو، بعدما فشلت سياسة الضغط والتهديد في إخضاع القيادة المالية.

واستقبل رئيس الوزراء الجزائري سيفي غريب نظيره المالي في المطار، قبل أن يلتقي عبد المجيد تبون، في مشهد حاول الإعلام الرسمي الجزائري تقديمه باعتباره عودة إلى «العلاقات الاستراتيجية». غير أن قراءة مسار الأزمة تكشف وجهاً مختلفاً؛ فالجزائر لم تدخل هذه المصالحة من موقع قوة، بل بعد أن تآكل جزء مهم من نفوذها التقليدي في مالي، وبعدما اختارت باماكو بناء علاقاتها الإقليمية على أساس رفض أي وصاية خارجية.

وتعود جذور الخلاف إلى دجنبر 2023، عندما اعتبرت السلطات المالية أن الجزائر تجاوزت حدود الوساطة الدبلوماسية وانخرطت في اتصالات مع شخصيات معارضة وقيادات مرتبطة بالحركات الأزوادية، دون تنسيق مع باماكو. وردت الحكومة المالية باستدعاء سفيرها من الجزائر، قبل أن تتبادل الدولتان إجراءات التصعيد.

وفي يناير 2024، ذهبت باماكو أبعد من ذلك بإعلان إنهاء «اتفاق الجزائر» الموقع سنة 2015، في ضربة مباشرة للدور الذي كانت الجزائر تحاول الاحتفاظ به باعتبارها الوسيط التقليدي في الملف المالي. ولم يكن القرار مجرد خلاف عابر، بل عكس تحولا في رؤية السلطات المالية لطبيعة العلاقة مع جارتها الشمالية، خصوصاً في ظل تصاعد خطاب السيادة ورفض التدخل الخارجي.

وازداد التوتر حدة في ربيع 2025 بعد حادثة إسقاط طائرة مسيرة تابعة للجيش المالي قرب منطقة تينزاواتين الحدودية، وسط تبادل الاتهامات بشأن المجال الجوي، قبل أن يصل التصعيد إلى إغلاق الأجواء بين البلدين.

بعد أشهر من التصعيد، بدأت الجزائر نفسها في البحث عن مخرج. ففي يوليوز 2026، قررت إعادة سفيرها إلى باماكو، لترد مالي بالمثل، قبل استئناف الرحلات الجوية بين البلدين. ثم جاءت المكالمة الهاتفية التي جمعت رئيسي حكومتي البلدين في 9 غشت، لتفتح الطريق أمام عودة الاتصالات السياسية المباشرة.

ولم تتوقف محاولات التهدئة عند هذا الحد، إذ دخلت الجزائر على خط صفقة لتبادل الأسرى في منتصف غشت، أفضت إلى الإفراج عن 80 جندياً مالياً مقابل عناصر محتجزين لدى الجيش المالي. وهنا تبدلت نبرة الخطاب الرسمي بشكل لافت؛ فبعد أشهر من التخوين والهجوم على القيادة المالية، بدأت المنابر الجزائرية تتحدث عن «المصالحة» و«الواقعية السياسية».

ويرى مراقبون أن هذا التحول يعكس قبل كل شيء محاولة جزائرية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من نفوذها في منطقة الساحل، بعدما أصبحت باماكو أكثر انفتاحاً على شركاء إقليميين ودوليين جدد، ولم تعد مستعدة لقبول الدور الجزائري التقليدي كوسيط أو وصي على ملفاتها الداخلية.

 

وتزداد حساسية التطور بالنسبة للجزائر بالنظر إلى الحضور المغربي المتنامي في محيط الساحل. ففي دجنبر 2023، توجه وزير الخارجية المالي عبد الله ديوب إلى مراكش، بالتزامن مع بداية الأزمة مع الجزائر، وأعلنت مالي انضمامها إلى المبادرة الأطلسية التي أطلقها المغرب لتمكين دول الساحل من الوصول إلى المحيط الأطلسي.

وبالنسبة إلى الجزائر، لم يكن هذا التحول مجرد خيار اقتصادي بالنسبة لباماكو، بل تطوراً جيوسياسياً يهدد بتقليص هامش نفوذها جنوباً. فكلما اتسعت شبكة العلاقات المغربية مع دول الساحل، تقلصت قدرة الجزائر على احتكار دور الوسيط والفاعل الإقليمي في هذه المنطقة.

ومن هذه الزاوية، تبدو العودة الجزائرية إلى باماكو أقرب إلى محاولة لمنع خسارة النفوذ بالكامل، وليس انتصاراً دبلوماسياً كما تحاول بعض المنابر الرسمية تصويره.

ولا تبدو الأزمة المالية معزولة عن سلسلة أزمات أخرى خاضتها الجزائر خلال السنوات الأخيرة. ففي النيجر، اصطدمت الجزائر برفض السلطات الانتقالية لأي محاولة للتأثير في خياراتها السياسية، قبل أن تنتهي الأزمة بعودة قنوات التواصل وتقديم دعم مالي لمشاريع في النيجر.

أما مع إسبانيا، فقد اختارت الجزائر التصعيد بعد موقف مدريد من قضية الصحراء المغربية، فسحبت سفيرها وجمدت معاهدة الصداقة وفرضت قيوداً على المبادلات التجارية. لكن الموقف الإسباني لم يتغير، وانتهت المواجهة بعودة العلاقات تدريجياً دون تحقيق الجزائر الهدف السياسي الذي أعلنت عنه عند بداية الأزمة.

والأمر نفسه تكرر مع فرنسا، بعدما ردت الجزائر على الموقف الفرنسي الداعم للمغرب في قضية الصحراء بسحب سفيرها وتعليق عدد من أشكال التعاون. لكن مع مرور الوقت، عادت قنوات الاتصال والتعاون، في صورة أخرى من صور التراجع الذي تحاول الدبلوماسية الجزائرية تقديمه لاحقاً باعتباره «واقعية» و«براغماتية».

وتكشف هذه الملفات، وفق قراءة عدد من المتابعين، عن نمط متكرر في إدارة الجزائر لخلافاتها الخارجية: بداية صاخبة تتسم بالتهديد وسحب السفراء، ثم إجراءات عقابية، تليها مواجهة مع الواقع السياسي والاقتصادي، قبل العودة إلى طاولة الحوار من دون تحقيق الأهداف المعلنة في بداية الأزمة.

المشكلة هنا لا ترتبط فقط بنتيجة كل أزمة على حدة، وإنما بصورة الدبلوماسية الجزائرية نفسها. فالإفراط في استخدام لغة التصعيد وتحويل الخلافات السياسية إلى معارك صفرية يجعل أي تراجع لاحق يبدو وكأنه تنازل اضطراري، حتى عندما تقدم السلطات الجزائرية الخطوة باعتبارها انتصاراً للواقعية السياسية.

وفي الحالة المالية تحديداً، تبدو المفارقة أكثر وضوحاً: الجزائر التي رفضت طويلاً خيارات باماكو وهاجمت قيادتها، عادت اليوم إلى استقبال رئيس حكومتها والبحث عن إعادة ترتيب العلاقات. أما باماكو، فقد دخلت المفاوضات من موقع أكثر استقلالية، بعدما أثبتت أنها قادرة على رفض الضغوط الجزائرية وإعادة بناء تحالفاتها بعيداً عن منطق الوصاية.

ويبقى السؤال الأهم: هل تتجه الجزائر إلى مراجعة حقيقية لأسلوبها الدبلوماسي، أم أن ما يحدث مع مالي ليس سوى هدنة مؤقتة إلى حين اندلاع أزمة جديدة؟ فالتجارب الأخيرة مع دول الجوار وشركاء أوروبيين توحي بأن المشكلة ليست في غياب قنوات الحوار، وإنما في عقلية إدارة الخلاف نفسها.

وفي ظل استمرار اعتماد السلطة الجزائرية على خطاب الخصوم الخارجيين لتفسير أزماتها، يبدو أن تغيير الأسماء والواجهات لن يكون كافياً لتغيير النتائج. فالدبلوماسية التي تبدأ بالتصعيد وتنتهي بالتراجع تحتاج، قبل أي شيء، إلى مراجعة عميقة لقواعد الاشتباك السياسي، وإلى التخلي عن منطق الوصاية الذي بات يواجه رفضاً متزايداً من دول المنطقة.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *