أكد سفير المملكة المغربية لدى الصين، عبد القادر الأنصاري، أن فن الخزف يشكل أحد أعمدة الذاكرة الحضارية المغربية، مبرزا غناه التاريخي وتنوعه الجغرافي، ومشددا على أهمية إرساء تعاون ثقافي أعمق بين المغرب والصين في هذا المجال الفني العريق.
وجاءت مداخلة الأنصاري خلال ندوة فكرية احتضنتها مدينة جينغدتشن جنوب شرق الصين، على هامش المؤتمر العالمي للإنترنيت المنعقد ما بين 14 و16 يناير، والتي خصصت لموضوع “التكنولوجيا الرقمية في خدمة التبادل الثقافي والتعلم المتبادل”.
وفي حديثه عن السياق الدولي للتعاون، ذكر السفير باتفاقية التوأمة التي تربط منذ سنة 1993 بين مدينتي آسفي وجينغدتشن، عاصمة الخزف الصيني، داعيا إلى إعادة تفعيلها عبر صيغة جديدة تستجيب لمتطلبات المرحلة الراهنة.
كما أشار إلى زيارة حاكم إقليم جيانغشي إلى المغرب في ماي 2025، وما رافقها من مباحثات مع مسؤولي جهة مراكش-آسفي بهدف إرساء توأمة جهوية رسمية.
وأوضح الأنصاري أن إقليم جيانغشي، الذي تبلغ مساحته حوالي 164 ألفاً و800 كيلومتر مربع ويقطنه نحو 45 مليون نسمة، يعد من الأقاليم الصينية الرائدة في صناعة الخزف، خاصة بمدينة جينغدتشن، إلى جانب ما يزخر به من موارد غابوية مهمة.
وعلى المستوى التاريخي، استعرض السفير الجذور العميقة لفن الخزف بالمغرب، مبرزا أن أقدم آثاره تعود إلى نحو 3800 سنة قبل الميلاد، ما يعكس استمرارية هذه الحرفة عبر قرون طويلة من التحولات الثقافية والاجتماعية.
كما توقف عند التعدد الذي يميز هذه الصناعة التقليدية حسب مناطق المملكة، مشيرا إلى خزف تامكروت وخزف الريف، الذي يمارس حصريا من طرف النساء، باعتباره نموذجا حيا لحضور المرأة في صون التراث اللامادي.
وفي هذا الإطار، أبرز المتحدث المكانة التي تحتلها مدينة آسفي في خارطة الفخار المغربي، باعتبارها العاصمة التقليدية لهذا الفن، حيث تضم حوالي 200 ورشة بمنطقة “تل الفخارين” ويشتغل بها قرابة 2000 صانع تقليدي، مع تصدير منتجاتها إلى مختلف بلدان العالم.
وأشار السفير إلى أن هذا الرصيد الثقافي حظي باعتراف دولي، بانضمام آسفي سنة 2025 إلى شبكة المدن الإبداعية لليونسكو، إلى جانب 58 مدينة عبر العالم، فضلا عن إدراج فن فخار آسفي ضمن قائمة التراث الثقافي اللامادي لمنظمة الإيسيسكو في دجنبر 2023.
وفي مقابل هذه المكتسبات، تطرق الأنصاري إلى الإكراهات التي تواجه قطاع الصناعة التقليدية، خاصة المنافسة المتزايدة للإنتاج الصناعي واسع النطاق، وانخفاض كلفة المنتجات المصنعة والمزخرفة بتقنيات حديثة، من بينها الطباعة ثلاثية الأبعاد.
وأوضح أن هذه التحولات، رغم استمرار إقبال شريحة من المستهلكين على المنتوج التقليدي الأصيل، تسهل تسويق المنتجات الصناعية، ما يدفع عددا من الحرفيين إلى التخلي عن مهنتهم.
وأبرز في هذا السياق أن وزارة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني عملت على بلورة إستراتيجية وطنية في أفق 2030، تحت شعار “الصناعة التقليدية المغربية: تراث حي في تطور مستمر”، ترتكز على البحث والتطوير، والتصميم، والتقييس، ووضع العلامات، وحماية الملكية الفكرية.
وختم السفير بالإشارة إلى أن هذه الإستراتيجية أسفرت عن إعداد 69 علامة جماعية مسجلة، واعتماد 344 معيارا وطنيا، من بينها 25 معيارا خاصا بفن الفخار.
ويذكر أن المؤتمر العالمي للإنترنيت، الذي يوجد مقره بالعاصمة الصينية بكين، منظمة دولية أحدثت سنة 2022، تعنى بقضايا حكامة وتطوير الإنترنت على الصعيد العالمي، وتضم حاليا 190 مؤسسة ومنظمة وشركة وشخصية من حوالي 40 دولة.