في محاولة جديدة لاحتواء تداعيات واحدة من أكثر القضايا إحراجاً للنظام الجزائري خارج حدوده، أودعت السلطات العسكرية جبار مهنا، المدير السابق للاستخبارات الخارجية، سجن البليدة العسكري على خلفية اتهامات مرتبطة بمحاولة اختطاف المعارض الجزائري أمير بوخرص، المعروف باسم “أمير دي زد”، فوق التراب الفرنسي. خطوة يرى مراقبون أنها لا تنفصل عن الضغوط القضائية والسياسية المتزايدة القادمة من باريس.
ويبدو أن السلطة الجزائرية اختارت مجدداً التضحية بأحد كبار مسؤوليها السابقين لاحتواء أزمة تتسع دوائرها يوماً بعد يوم. فالرجل الذي كان يوصف إلى وقت قريب بأنه أحد أقوى أركان المنظومة الأمنية، تحول فجأة إلى متهم يواجه مصيراً غامضاً، بينما تتجه أنظار القضاء الفرنسي نحو مسؤولين آخرين يشتبه في ارتباطهم بالملف.
وتفيد معطيات متقاطعة بأن اعتقال مهنا جاء في توقيت بالغ الحساسية، بالتزامن مع رغبة السلطات القضائية الفرنسية في الاستماع إليه بشأن قضية هزت العلاقات بين باريس والجزائر. وخلال زيارة وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان إلى الجزائر في ماي الماضي، كان ملف “أمير دي زد” من أبرز الملفات المطروحة على طاولة المباحثات.
وتحولت القضية من مجرد حادث أمني إلى اختبار حقيقي لمصداقية الخطاب الرسمي الجزائري. فبدلاً من تحقيق هدفها المعلن المتمثل في ملاحقة المعارضين بالخارج، وجدت السلطة نفسها في مواجهة تحقيقات فرنسية تتوسع تدريجياً وتقترب من مستويات عليا داخل هرم القرار السياسي والأمني.
ويرى متابعون أن إيداع مهنا السجن لا يهدف فقط إلى متابعته قضائياً، بل قد يشكل أيضاً محاولة لعزله وإبعاده عن أي مسار تحقيق خارجي قد يكشف تفاصيل محرجة بشأن نشاط الأجهزة الجزائرية على الأراضي الفرنسية. فالقضية لم تعد مرتبطة بشخص واحد، بل أصبحت تهدد بكشف شبكة من القرارات والعمليات السرية التي ظلت بعيدة عن الأضواء لسنوات.
ولم يكن جبار مهنا بعيداً عن دوائر الصراع داخل النظام. فقد أُقيل من منصبه مباشرة بعد إعادة انتخاب الرئيس عبد المجيد تبون سنة 2024، وسط تقارير تحدثت عن خلافات داخلية وتحركات اعتبرت غير منسجمة مع توجهات الرئاسة خلال تلك المرحلة الحساسة.
كما أن الرجل ليس غريباً عن أروقة المحاكم والسجون؛ إذ سبق أن أُدين في قضايا فساد قبل أن يعود لاحقاً إلى الواجهة بدعم من أجنحة نافذة داخل المؤسسة الأمنية. غير أن سقوطه هذه المرة يبدو مختلفاً، إذ يأتي في سياق دولي معقد وضغوط خارجية يصعب احتواؤها بالأساليب التقليدية.
وفي المقابل، يبرز اسم رشدي فتحي موساوي، المعروف بـ”الجنرال صادق”، باعتباره أحد أكثر الشخصيات نفوذاً داخل المنظومة الأمنية الحالية. وقد أثار غيابه عن اجتماعات أمنية جزائرية فرنسية رفيعة المستوى تساؤلات عديدة، خاصة مع تردد اسمه في تقارير إعلامية وتحقيقات فرنسية تناولت ملف ملاحقة معارضين جزائريين مقيمين بأوروبا.
وتشير تقارير صحفية فرنسية إلى أن التحقيقات الخاصة بقضية “أمير دي زد” لم تتوقف عند المنفذين المفترضين، بل امتدت نحو مستويات أعلى من صناعة القرار، ما يزيد من حرج السلطة الجزائرية أمام شريكها الفرنسي ويضعها أمام تحديات سياسية وقضائية غير مسبوقة.
وفي ظل هذا المشهد المتشابك، يبدو أن النظام الجزائري يحاول امتصاص الصدمة عبر تقديم مسؤولين سابقين كواجهة للمحاسبة، في وقت تتزايد فيه الأسئلة حول المسؤوليات الحقيقية والجهات التي أعطت الضوء الأخضر لعمليات أثارت أزمة دبلوماسية وقانونية مع فرنسا. وبينما تتواصل التحقيقات، تبقى قضية “أمير دي زد” واحدة من أكثر الملفات القادرة على كشف خبايا الصراع داخل أجنحة السلطة الجزائرية وأسلوب تعاملها مع معارضيها في الخارج.