الهجرة تفضح تناقضات الجزائر.. طرد من الجنوب ورحيل من الشمال

لم تعد ظاهرة الهجرة غير النظامية في الجزائر مجرد ملف أمني عابر، بعدما بدأت الأرقام الأوروبية والدولية ترسم صورة مختلفة عن الخطاب الرسمي للسلطات الجزائرية. فبينما تشدد الجزائر قبضتها على حدودها الجنوبية وتواصل عمليات إبعاد المهاجرين نحو منطقة الساحل، تحولت سواحلها الشمالية إلى نقطة الانطلاق الأبرز على مسار غرب المتوسط باتجاه إسبانيا، في تحول أعاد ترتيب خريطة الهجرة بالمنطقة.

وتؤكد بيانات المنظمة الدولية للهجرة أن عام 2025 شهد انتقال مركز الثقل على مسار غرب المتوسط من المغرب إلى الجزائر، إذ بات معظم المهاجرين ينطلقون من السواحل الجزائرية نحو إسبانيا، خصوصاً عبر اتجاهات تقود إلى جزر البليار وسواحل ألميريا ومورسيا وأليكانتي. كما تشير بيانات المنظمة إلى أن المسار سجل ارتفاعاً في عدد الوافدين خلال السنوات الأخيرة، في وقت أصبحت فيه الجزائر بلد انطلاق رئيسياً للرحلات البحرية.

وتذهب صحيفة «إل إندبندنتي» الإسبانية، استناداً إلى معطيات «فرونتكس» والمنظمة الدولية للهجرة، إلى أن أكثر من 75 بالمائة من الانطلاقات البحرية المسجلة على مسار غرب المتوسط خلال 2025 تمت من الجزائر. وتكشف هذه المعطيات أن السواحل الجزائرية لم تعد هامشاً في معادلة الهجرة نحو أوروبا، بل أصبحت أحد مراكزها الأساسية.

المفارقة الأكثر إثارة تكمن في التناقض بين ما يحدث في الشمال وما يجري في الجنوب. ففي الوقت الذي تتصاعد فيه عمليات الانطلاق من السواحل الجزائرية نحو الضفة الأوروبية، تعتمد السلطات في الجنوب سياسة أمنية مشددة تجاه المهاجرين القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى فعالية المقاربة الجزائرية القائمة أساساً على المنطق الأمني.

وتشير المنظمة الدولية للهجرة إلى أن المهاجرين الذين يسلكون طريق غرب المتوسط يواجهون مخاطر كبيرة، من بينها تقلبات الطقس وصعوبة الملاحة واحتمالات الاعتراض، بينما تظل إسبانيا الوجهة الرئيسية لمعظم الوافدين على هذا المسار، تليها دول أوروبية أخرى، من بينها فرنسا.

وفي هذا السياق، تبدو المفارقة واضحة: فبدلاً من أن تؤدي الإجراءات الأمنية المشددة في الجنوب إلى إنهاء الظاهرة، تكشف المعطيات أن مسارات الهجرة تتغير وتعيد تنظيم نفسها، بينما يستمر الضغط على السواحل الشمالية. وهو ما يجعل السؤال مطروحاً حول حدود المقاربة التي تتعامل مع الهجرة باعتبارها قضية أمنية أكثر من كونها نتيجة لمجموعة معقدة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

وتزداد حدة هذه المفارقة بالنظر إلى أن الجزائر، التي تمتلك موارد طاقية مهمة، تشهد في المقابل استمراراً لرحلات شبان جزائريين نحو أوروبا عبر البحر. وتكشف هذه الظاهرة، بعيداً عن الأرقام المجردة، عن فجوة بين الإمكانات الاقتصادية للدولة وبين تصورات فئات من الشباب لمستقبلها داخل البلاد.

وتشير بيانات المنظمة الدولية للهجرة إلى أن العوامل الاقتصادية تأتي في مقدمة دوافع الهجرة على مسار غرب المتوسط، إلى جانب النزاعات والعنف والعوامل البيئية وصعوبة الوصول إلى بعض الخدمات. وبذلك لا يمكن اختزال الظاهرة في نشاط شبكات التهريب وحدها، إذ ترتبط أيضاً بظروف اجتماعية واقتصادية تدفع بعض الأشخاص إلى المخاطرة بحياتهم في البحر.

أما ما راج أخيراً بشأن نجلي الفريق الراحل أحمد قايد صالح، عادل وبومدين، وما قيل عن مغادرتهما الجزائر بحراً في اتجاه أوروبا، فيبقى بحاجة إلى تثبيت رسمي مستقل. فقد تداولت مصادر وشخصيات جزائرية رواية تفيد باحتمال مغادرتهما البلاد عبر البحر، في وقت لم يصدر، وفق المعطيات المتاحة، توضيح رسمي يحسم هذه القضية.

وإذا تأكدت هذه الرواية من مصادر رسمية أو قضائية مستقلة، فإنها ستكون ذات دلالة سياسية ورمزية، لأنها ستعني أن ظاهرة الهجرة غير النظامية لم تعد مرتبطة فقط بفئات اجتماعية محدودة، وإنما أصبحت حاضرة حتى في محيط شخصيات ارتبطت بأعلى دوائر المؤسسة العسكرية والسياسية الجزائرية.

 

وبين سياسة الترحيل في الجنوب وتزايد الانطلاقات من الشمال، تبرز صورة جزائرية شديدة التناقض في تدبير ملف الهجرة: إجراءات أمنية قاسية على الحدود الجنوبية، مقابل استمرار تحول السواحل الشمالية إلى منصة رئيسية للعبور نحو أوروبا. وهي مفارقة تضع السياسة الجزائرية أمام اختبار يتجاوز مراقبة الحدود إلى معالجة الأسباب الداخلية التي تدفع مواطنين ومهاجرين على حد سواء إلى البحث عن طريق للخروج.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *