في الجزائر، لا يبدو أن أزمة الماء مجرد عطب تقني عابر، بل تحولت إلى عنوان جديد لفشل تدبيري يتكرر كل صيف، فيما تواصل السلطات إطلاق شعارات «الأمن المائي» وتدشين المشاريع أمام الكاميرات. وبينما تلامس درجات الحرارة 49 درجة مئوية، تجد آلاف الأسر في العاصمة والولايات المجاورة نفسها أمام واقع قاس: صنابير جافة، خزانات فارغة، وفواتير لا تتوقف.
ومنذ السبت، دخلت أحياء بالضاحية الشرقية للعاصمة في حالة اضطراب حاد بعدما أعلنت شركة المياه والتطهير للجزائر «سيال» عن عطل تقني بمحطة تحلية مياه البحر في بلدية «المرسى». وأثر العطل على برنامج التوزيع في بلديات «هراوة» و«المرسى» و«برج البحري»، ليجد السكان أنفسهم مجددا أمام أزمة لم تعد مفاجئة بقدر ما أصبحت جزءا من الحياة اليومية.
الأكثر إثارة للقلق أن العطل الحالي جاء بعد أيام قليلة فقط من خلل مماثل أصاب المحطة نفسها منتصف أغسطس، وتسبب حينها في اضطراب الإمدادات لنحو 11 بلدية داخل ولاية الجزائر. وتشير تقارير إعلامية محلية إلى أن هشاشة شبكة الربط الكهربائي التي تغذي محطات الضخ والتحلية تجعل أي اضطراب في التيار قادرا على شل الإنتاج وتعطيل ملء الخزانات الرئيسية.
وهنا تحديدا يبرز السؤال الذي يبدو أن المسؤولين يفضلون الهروب منه: كيف يمكن لبلد يعلن امتلاكه استراتيجية طموحة للأمن المائي أن يظل عاجزا عن حماية شبكة توزيع العاصمة من الأعطال المتكررة؟
المشكلة لا تتعلق بمحطة واحدة، ولا يمكن اختزالها في «عطل تقني». فضعف قدرات التخزين الاستراتيجي وغياب مخزون أمان كاف لمواجهة الصيانة والأعطاب يكشفان خللا أعمق في طريقة إدارة قطاع حيوي يمس حياة ملايين المواطنين.
فبدلا من أن يكون العطل الميكانيكي أو الكهربائي حادثا محدودا، يتحول في الجزائر إلى أزمة عطش تمتد لأيام. والنتيجة أن المواطن لا يحصل على خدمة مستقرة، بل يعيش على نظام تناوب قاس، ينتظر فيه قطرة الماء كما لو كانت امتيازا لا حقا أساسيا.
لقد أنفقت السلطات أموالا ضخمة على مشاريع التحلية، لكن توسيع عدد المحطات لا يعالج وحده شبكة توزيع متقادمة، ولا يعوض ضعف التخزين، ولا يحل مشكلة الصيانة. إنها سياسة تركز على المشاريع التي تصلح للصور والافتتاحات، بينما تترك ما هو أكثر أهمية: ضمان وصول الماء فعليا إلى بيوت المواطنين.
ولعل أكثر ما يثير غضب الجزائريين هو المشهد الرسمي المصاحب للأزمة. فبينما تنقطع المياه عن الأحياء، تظهر صور وزير الري لوناس بوزقزة في مناسبات التدشين، وسط منصات رسمية وصور تذكارية وخطابات عن الإنجازات والأمن المائي.
لكن المشكلة أن الصور لا تملأ الخزانات، والتصريحات لا تعيد الماء إلى الصنابير.
وتكشف التعليقات الغاضبة على صفحات الوزارة حجم الهوة بين ما تقوله الحكومة وما يعيشه المواطن. ومن بين الرسائل التي تداولها المواطنون تعليق لطيب موسى، قال فيه إن سكان الحي المقابل للوزارة في العاصمة يعانون انقطاع المياه منذ مدة طويلة، وإن الشكاوى المتكررة لم تجد من يستجيب لها.
هذه ليست مجرد شكوى فردية، بل صورة مصغرة لأزمة الثقة بين المواطن والمؤسسة. فحين تصبح الأحياء القريبة من مراكز القرار نفسها ضحية لانقطاع المياه، يصبح الحديث الرسمي عن «الأمن المائي» أشبه بخطاب منفصل تماما عن الواقع.
المفارقة الأكثر استفزازا تظهر في طريقة تعامل «سيال» مع المستهلكين. ففي الوقت الذي يعاني فيه المواطن من انقطاع المياه، تتحرك فرق الشركة لقطع الإمدادات ونزع العدادات عن المتأخرين في سداد الفواتير، كما حدث في مجمع «حي عدل الشايق» ببلدية الشعيبة في ولاية تيبازة.
وبحسب ما أوردته صحيفة «أخبار الوطن»، واجه السكان هذه الإجراءات بسخرية لاذعة: «كيف تقطعون ما هو مقطوع أصلا؟».
السؤال يلخص أزمة الإدارة الجزائرية أكثر من عشرات البلاغات الرسمية. فكيف يمكن مطالبة المواطن بالدفع مقابل خدمة لا تصله بانتظام؟ وكيف تتحول آلة الجباية إلى جهاز شديد الفاعلية، بينما تتعثر الصيانة والإصلاح وتأمين الإمدادات؟
والأكثر إثارة للغضب أن بعض السكان تحدثوا عن فواتير لا تعكس استهلاكا حقيقيا، في ظل دوران العدادات بفعل ضغط الهواء داخل أنابيب خالية من المياه. وإذا صحت هذه المعطيات، فإن الأمر لا يعود مجرد خلل تقني، بل يصبح قضية تتطلب تحقيقا ومساءلة واضحة.
حين تفشل شبكة المياه، لا يختفي الطلب، بل ينتقل إلى السوق. وهكذا وجد المواطن الجزائري نفسه مضطرا إلى شراء المياه المعدنية لتأمين أبسط احتياجات أسرته، قبل أن يصطدم بوجه آخر للأزمة: الندرة وارتفاع الأسعار.
وتحدثت تقارير محلية عن ارتفاع سعر حزمة المياه من نحو 220 إلى قرابة 300 دينار، في وقت تزايدت فيه المخاوف من استمرار اضطراب سوق العبوات البلاستيكية.
وبحسب ما نقلته تقارير إعلامية عن الإعلامي عبدو السمار، فإن جزءا من الأزمة يرتبط بصعوبات توفير المواد البتروكيماوية اللازمة لصناعة القارورات والأغطية، خصوصا «البولي إيثيلين» و«البولي بروبيلين»، مع اعتماد كبير على الاستيراد وارتفاع تكاليف الشحن.
وهنا تظهر مفارقة أخرى لا تقل قسوة: الجزائر، صاحبة الاحتياطات الغازية الكبيرة، لا تزال تعاني من اختناقات في مدخلات صناعية مرتبطة بقطاع البتروكيماويات، فيما تُقدّر فاتورة استيراد هذه المواد بمليارات الدولارات.
هذه المفارقة تقود إلى سؤال أكبر من أزمة العطش الحالية: ماذا فعلت الثروة الطاقية للجزائري العادي إذا كان لا يزال مضطرا لمطاردة قارورة ماء في موجة حر قاسية؟
ويربط عبدو السمار جانباً من أزمة المواد البلاستيكية بتعثر مشروع مجمع «ستيب» للبتروكيماويات في أرزيو، الذي أطلق سنة 2018 بشراكة مع «توتال إنرجيز» لإنتاج البولي بروبيلين محليا. وبحسب الرواية المتداولة إعلاميا، تعطل المشروع بعد انسحاب الشريك الفرنسي، لتبقى السوق الجزائرية أكثر اعتمادا على الواردات.
وسواء تعلق الأمر بالماء أو البلاستيك أو الطاقة، فإن القاسم المشترك يبدو واحدا: ضعف القدرة على تحويل الإمكانات الهائلة التي تمتلكها البلاد إلى خدمات مستقرة ومنتجات متاحة للمواطن.
ما يحدث في العاصمة الجزائرية يتجاوز عطل محطة تحلية. إنه اختبار حقيقي لقدرة الدولة على إدارة قطاع استراتيجي، وقد كشف الاختبار مرة أخرى نقاط ضعف يصعب إخفاؤها بالبلاغات والصور الرسمية.
فالدولة التي تمتلك الموارد المالية والطاقة والمياه والقدرة على الاستثمار لا يفترض أن تجعل مواطنيها يعيشون على وقع الانقطاعات المتكررة، ثم تطلب منهم الالتزام الصارم بالفواتير.
المشكلة، في النهاية، ليست أن محطة تعطلت؛ المحطات تتعطل في كل مكان. المشكلة أن العطل الواحد في الجزائر قادر على تحويل حياة آلاف الأسر إلى معركة يومية من أجل الماء. وهذه ليست مشكلة محطة، بل مشكلة منظومة.
لقد أثبتت الأزمة أن افتتاح محطة جديدة أسهل بكثير من بناء شبكة قادرة على الصمود، وأن إطلاق شعار «الأمن المائي» أسهل من توفير الماء فعليا، وأن ملاحقة المواطن المتأخر عن الدفع أكثر سهولة من إصلاح الأعطاب المزمنة.
وفي بلد يملك ثروات طاقية هائلة، يصبح مشهد الطوابير أمام محلات المياه المعدنية والصنابير الجافة أكثر من مجرد أزمة صيفية؛ إنه شهادة قاسية على فجوة متسعة بين إمكانات الجزائر وما تقدمه الدولة فعليا لمواطنيها.
فالجزائري لا يحتاج إلى مزيد من الصور البروتوكولية ولا إلى بيانات عن الإنجازات. يحتاج ببساطة إلى أن يفتح الصنبور… فيجد الماء.