ترشيح الوزراء للانتخابات..بين ترسيخ الشرعية الشعبية و ”الانتحار السياسي”؟

 

أن يقرر وزير الترشيح للانتخابات التشريعية في هذا الوقت ، فهذا يعني أنه اختار أن يضع رصيده السياسي أمام الناخبين، لذلك لا يبدو الأمر بسيطاً.

فالوزير الذي قرر الترشيح لا يدخل الحملة مثل أي مرشح آخر، فهو وزير له رمزية، ومارس السلطة التنفيذية عبر اتخاذ  قرارات ترتبط بالسياسات العمومية ، ويتحمل مسؤولية جزء من السياسات التي اتخذتها الحكومة التي كان فيها وزيرا.

لهذا فإن انتخابات 23 شتنبر ستكون بالنسبة  للوزراء المترشحين امتحاناً حقيقياً ومغامرة سياسية ، ليس فقط لمدى قوة ،شرعية أحزابهم في الدوائر التي ترشحوا فيها، وإنما أيضاً لمعرفة ما إذا كان الحضور في الحكومة قد تحول فعلاً إلى رصيد انتخابي.

 

المشكلة أن ما تعتبره الحكومة حصيلة إيجابية لا ينظر إليه المواطن دائماً بالطريقة نفسها. الأرقام مهمة، والمشاريع مهمة، لكن الناخب ينظر قبل كل شيء إلى ما يعيشه يومياً. هل وجد شغلاً؟  هل وجد واقعا صحيا جذدا؟هل تحسنت الخدمات؟ هل أصبح دخله أفضل؟ هل يشعر بأن الأسعار أصبحت أقل ضغطاً على أسرته؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكون أقوى من أي خطاب انتخابي.

وهنا تحديداً تكمن صعوبة مهمة الوزير المترشح. فهو مطالب بأن يدافع عن حصيلته، وفي الوقت نفسه أن يقنع المواطن بأن ما قامت به الحكومة يستحق أن يُترجم إلى صوت داخل صندوق الاقتراع.

ثم إن الخسارة بالنسبة إلى وزير ليست مثل خسارة مرشح عادي. إذا خسر وزير معروف في دائرة ترشح فيها، فسيكون من الصعب فصل النتيجة عن صورته السياسية وحضوره الشعبي وعن مساره السياسي . وقد تتحول الهزيمة إلى رسالة تتجاوز الدائرة نفسها، خصوصاً إذا كانت المنافسة قوية وكانت التوقعات مرتفعة.

لكن الوجه الآخر للصورة أكثر أهمية. فوز الوزير يمنحه شيئاً لا يوفره له المنصب الحكومي وحده: شرعية انتخابية مباشرة. أن يعود السياسي إلى المواطنين، ويطلب أصواتهم، ثم يحصل عليها، يعني أن جزءاً من رصيده السياسي أصبح موثقاً بأصوات الناخبين، لا بمجرد موقعه داخل الحكومة أو الحزب.

لهذا لا ينبغي النظر إلى ترشح الوزراء باعتباره مجرد رغبة في الحصول على مقعد برلماني. إنه في جوهره اختبار للعلاقة بين المسؤول والمواطن. الوزير الذي يختار الترشح يقول، بشكل أو بآخر، إنه مستعد لسماع الحكم الانتخابي على تجربته.

لكن ذلك يتطلب أيضاً قدراً من التواضع السياسي. فالوزير الذي يدخل الانتخابات معتقداً أن منصبه وحده كافٍ للفوز قد يكتشف أن الناخب لا يصوت للألقاب. في كثير من الدوائر، السمعة المحلية، والحضور الميداني، والعلاقة مع السكان، وحتى طريقة تعامل المرشح مع الناس، قد تكون أكثر تأثيراً من كل ما يحمله من صفات رسمية.

لذلك سيكون ترشح الوزراء واحداً من أكثر جوانب انتخابات 23 شتنبر إثارة للاهتمام. بعضهم قد يخرج من المعركة أقوى مما دخلها، وبعضهم قد يكتشف أن رصيده الحكومي لا يساوي بالضرورة رصيداً انتخابياً.

في الحالتين، هناك شيء إيجابي في أن يذهب المسؤول إلى الصندوق ويقبل بحكم الناخبين. فالسياسة لا تكتمل بالمناصب، والشرعية لا تُقاس فقط بموقع السياسي داخل الدولة أو الحزب، وإنما بقدرته على العودة إلى المواطنين وطلب ثقتهم.

لهذا قد يكون ترشح الوزير مخاطرة سياسية كبيرة، وقد يصل إلى حد الانتحار السياسي إذا جاءت النتيجة عكس المتوقع. لكنه، في المقابل، قد يكون الطريق الأقصر لترسيخ شرعية شعبية حقيقية.

والفارق بين الاحتمالين لن تحسمه المؤتمرات الحزبية ولا خطابات. السياسيين ،ولا الاعلام والصحافة او التوقعات ، وإنما سيحسمه الناخب يوم الاقتراع.

المقالات المرتبطة

لايوجد أي محتوى متوفر

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *