رسم تقرير دولي حديث صورة مزدوجة للاقتصاد المغربي، تجمع بين مؤشرات صعود اقتصادي لافت وطموحات إقليمية متزايدة، وبين تحديات داخلية لا تزال تلقي بظلالها على سوق الشغل والتنمية الاجتماعية، وفي مقدمتها بطالة الشباب واختلالات التعليم والتفاوتات المجالية.
ويرى خبراء اقتصاديون أن المغرب نجح خلال السنوات الأخيرة في تعزيز مكانته كمنصة صناعية واستثمارية ذات جاذبية متنامية، مستفيدا من موقعه الجغرافي الاستراتيجي الرابط بين أوروبا وإفريقيا، فضلا عن تطوير قطاعات صناعية حديثة مكنته من الانتقال تدريجيا من اقتصاد قائم على الأنشطة التقليدية إلى اقتصاد أكثر تنوعا وقدرة على المنافسة.
وبحسب معطيات التقرير، بات المغرب ضمن أكبر الاقتصادات الإفريقية، مستندا إلى نمو اقتصادي مدعوم بانتعاش النشاط الفلاحي وتوسع الاستثمارات في مشاريع البنية التحتية، إلى جانب تحسن مؤشرات الاستقرار الاقتصادي وتراجع الضغوط التضخمية مقارنة بالسنوات الماضية.
كما ساهمت استراتيجية تنويع الصادرات في تعزيز الأداء الاقتصادي للمملكة، حيث برز قطاع صناعة السيارات كأحد أهم محركات النمو، متجاوزا القطاعات التقليدية من حيث المساهمة في الصادرات، بالتوازي مع استقطاب استثمارات أجنبية جديدة في الصناعات المرتبطة بالتحول الطاقي والتكنولوجيات الحديثة، خاصة في مجال بطاريات السيارات الكهربائية.
في المقابل، يشير محللون إلى أن المكاسب الاقتصادية المسجلة لم تنعكس بالوتيرة نفسها على سوق الشغل، إذ لا تزال البطالة تمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد الوطني، خصوصا في أوساط الشباب بالمجالات الحضرية. ويعزو متخصصون هذا الوضع إلى عوامل متعددة، من بينها تداعيات الجفاف على القطاع الفلاحي، وضعف قدرة بعض القطاعات على خلق فرص عمل كافية لاستيعاب الوافدين الجدد إلى سوق الشغل.
كما يبرز ضعف مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي كأحد التحديات البنيوية التي تحد من الاستفادة الكاملة من الإمكانات البشرية المتاحة، وهو ما يدفع خبراء إلى الدعوة لتبني سياسات أكثر فاعلية لتعزيز الإدماج الاقتصادي وتحفيز التشغيل.
ويؤكد مهنيون أن إصلاح منظومة التعليم يظل عنصرا حاسما في مواجهة أزمة التشغيل، في ظل استمرار مؤشرات مقلقة تتعلق بالتعلمات الأساسية والهدر المدرسي. ويرون أن الفجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق الشغل تمثل إحدى العقبات الرئيسية أمام اندماج الشباب في الاقتصاد الحديث وولوجهم إلى فرص عمل مستقرة.
وفي هذا السياق، يراهن المغرب على مجموعة من الأوراش الاستراتيجية الرامية إلى تعزيز النمو وخلق فرص الشغل، من بينها مواصلة تنزيل النموذج التنموي الجديد، وتوسيع الحماية الاجتماعية، والاستثمار في الاقتصاد الرقمي والتكنولوجيات الحديثة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي الذي يُنتظر أن يفتح آفاقا جديدة للتشغيل خلال السنوات المقبلة.
ويجمع خبراء على أن نجاح هذه الرهانات سيظل مرتبطا بقدرة المملكة على تحويل مؤشرات النمو الاقتصادي إلى فرص حقيقية لفائدة المواطنين، من خلال تحسين جودة التعليم، وتعزيز التشغيل، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، بما يضمن تنمية أكثر شمولية واستدامة.