ارتفاع النفط يضع الاقتصاد المغربي أمام اختبار الفاتورة الطاقية

يدخل الاقتصاد المغربي مرحلة جديدة من الضغط مع عودة أسعار النفط إلى مستويات مرتفعة في الأسواق العالمية، بعدما اقترب سعر البرميل من عتبة 110 دولارات، في سياق دولي تحكمه توترات جيوسياسية واضطرابات متواصلة في سلاسل الإمداد. ويكتسي هذا التطور أهمية خاصة بالنسبة للمغرب بالنظر إلى اعتماده الكبير على الواردات لتلبية حاجياته الطاقية، ما يجعل أي ارتفاع في الأسعار العالمية ينعكس سريعاً على كلفة الاستيراد وعلى عدد من التوازنات الاقتصادية والمالية.

ولا يرتبط الضغط الحالي بالسعر وحده، إذ أصبحت طرق نقل الطاقة والتجارة البحرية جزءاً أساسياً من معادلة السوق. فاستمرار التوترات في الشرق الأوسط، ولا سيما حول مضيق هرمز وباب المندب، يرفع مخاطر النقل والتأمين ويدفع شركات الشحن إلى اعتماد مسارات أطول وأكثر كلفة. كما تستمر تداعيات الحرب في أوكرانيا في التأثير على أسواق الطاقة، بما يجعل التوقعات المرتبطة بالأسعار محكومة بدرجة مرتفعة من عدم اليقين. وفي المغرب، بدأت هذه التحولات تظهر في أسعار المحروقات، بعدما سجلت محطات التوزيع زيادات خلال التحيين نصف الشهري لصيف 2026.

وتكشف أرقام مكتب الصرف عن حجم التحدي. فقد بلغت الفاتورة الطاقية للمغرب خلال سنة 2025 نحو 107.56 مليار درهم، رغم تسجيلها تراجعاً بنسبة 5.5 في المائة مقارنة بسنة 2024. غير أن الاتجاه تغير خلال 2026، إذ ارتفعت واردات الطاقة بنسبة 12 في المائة خلال الأشهر الأربعة الأولى من السنة، لتصل قيمتها إلى نحو 41.8 مليار درهم. ويعكس هذا التطور حساسية الاقتصاد الوطني تجاه تقلبات أسعار النفط والغاز وتكاليف النقل الدولي، كما يفتح الباب أمام احتمال تسجيل فاتورة طاقية أعلى مع نهاية السنة إذا استمرت الأسعار في مستوياتها المرتفعة.

وتتجاوز تداعيات ارتفاع الطاقة قطاع المحروقات لتطال المالية العمومية والتجارة الخارجية. فزيادة قيمة الواردات يمكن أن توسع العجز التجاري وتزيد الضغط على احتياطات العملة الصعبة، في وقت ترتفع فيه كلفة المنتجات البترولية المكررة وغاز البوتان. كما قد تجد الميزانية نفسها أمام أعباء إضافية مرتبطة بدعم أسعار غاز البوتان ومواكبة مهنيي النقل، فضلاً عن انتقال جزء من ارتفاع كلفة الطاقة إلى أسعار النقل والمواد الأولية، بما قد يضيف ضغوطاً جديدة على التضخم الداخلي.

وأمام هذه المعطيات، يبدو أن ارتفاع أسعار النفط يعيد طرح مسألة الأمن الطاقي للمغرب من زاوية أكثر إلحاحاً. فاستمرار الارتهان لتقلبات الأسواق الدولية يجعل تعزيز التخزين الاستراتيجي وتسريع الاستثمار في الطاقات المتجددة وتقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري أوراشاً ذات بعد اقتصادي ومالي، وليس فقط بيئياً. وبينما تبقى تطورات الأسواق رهينة بمآلات الأزمات الجيوسياسية، فإن قدرة المغرب على امتصاص الصدمات الطاقية ستظل مرتبطة بمدى تنويع مصادر الطاقة وتعزيز قدرته على تأمين حاجياته وتقليص كلفة التقلبات الخارجية على الاقتصاد الوطني.

 

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *