أعاد غياب جبهة البوليساريو عن أشغال القمة الروسية الإفريقية الثالثة، المنعقدة بموسكو يومي 28 و29 أكتوبر الجاري، النقاش بشأن حدود تمثيليتها في المحافل الدولية، خاصة في ظل اقتصار المشاركة في هذا الموعد على وفود الدول الإفريقية الأعضاء في الأمم المتحدة، مقابل حضور مغربي رفيع المستوى تقوده رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، نيابة عن الملك محمد السادس.
ويطرح هذا الغياب تساؤلات بشأن خلفيات الموقف الروسي وانعكاساته على الحضور الدبلوماسي للجبهة، في سياق التطورات التي يشهدها ملف الصحراء المغربية، وسط ترقب لموقف موسكو من مشروع القرار الأمريكي المعروض على مجلس الأمن.
وفي هذا السياق، اعتبر عصام العروسي، الخبير في العلاقات الدولية، أن غياب البوليساريو عن القمة الروسية الإفريقية تحكمه عدة اعتبارات، في مقدمتها عدم تمتع الجبهة بعضوية الأمم المتحدة أو بصفة دولة معترف بها أمميا، وهو ما لا يخول لها المشاركة ضمن الوفود الرسمية للدول الإفريقية الحاضرة في القمة.
وأوضح العروسي، في تصريح خاص لجريدة “بلبريس”، أن الجبهة أصبحت في وضع دبلوماسي حرج، معتبرا أنها لا تمثل مجموع الصحراويين، وإنما تشكل جزءا منهم، ولا تتوفر على تمثيلية رسمية تخول لها الحديث باسم ساكنة الأقاليم الجنوبية، التي تضم مواطنين مغاربة لهم تمثيليتهم داخل المؤسسات الوطنية.
وربط الخبير هذا الغياب كذلك بطبيعة الموقف الروسي من قضية الصحراء المغربية، مستحضرا المشاورات التي تجمع موسكو بالرباط، إلى جانب امتناع روسيا عن التصويت على قرار مجلس الأمن رقم 2797 لسنة 2025، دون أن تعارض اعتماده، معتبرا أن هذا المعطى يعكس مؤشرات بشأن موقفها من أسس الحل السياسي للنزاع.
وفي قراءته لخلفيات عدم حضور الجبهة، رجح العروسي أن تكون موسكو قد أخذت بعين الاعتبار مصالحها وعلاقاتها مع المغرب، فضلا عن حرصها على الحفاظ على علاقاتها مع الدول الإفريقية، مستحضرا في هذا الصدد الجدل الذي رافق مشاركة ممثلي البوليساريو في قمة “تيكاد” باليابان، وما أثارته من اعتراض مغربي.
واعتبر المتحدث أن الحضور الدبلوماسي للبوليساريو بات يعرف انكماشا ملحوظا، في مقابل الزخم السياسي الذي تحظى به المبادرة المغربية للحكم الذاتي، مشيرا إلى أن الجبهة تواصل معارضة هذا المقترح باعتباره أساسا لتسوية النزاع تحت السيادة المغربية.
وبخصوص الموقف الروسي المرتقب من مشروع القرار الأمريكي بمجلس الأمن، استبعد العروسي اتجاه موسكو نحو معارضته، مع احتمال إدخال تعديلات على بعض صياغاته لمراعاة مواقف الأطراف الأخرى، مشددا على أن جوهر المشروع، وفق قراءته، يتمثل في جعل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساسا للمفاوضات المقبلة.
وخلص الخبير في العلاقات الدولية إلى أن غياب البوليساريو عن قمة موسكو يندرج ضمن التحولات التي يشهدها المسار الدبلوماسي لقضية الصحراء المغربية، معتبرا أن تقلص حضور الجبهة في المحافل الدولية يتزامن مع تنامي الدعم السياسي لمبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب.