مكاوي يفكك سيناريو صعود آيزنكوت ذي الأصول المغربية على رأس حكومة إسرائيل

في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها المنطقة، يعيش المشهد السياسي الإسرائيلي على وقع مخاضات غير مسبوقة بعد إسدال الستار على محطة انتخابية مفصلية، وهي الأولى من نوعها منذ أحداث السابع من أكتوبر ألفين وثلاثة وعشرين، لتفرز خزانا من التجاذبات والمعادلات المعقدة التي تتجاوز حدود الخريطة الحزبية في تل أبيب وتتقاطع بشكل مباشر مع المصالح والرهانات الاستراتيجية الإقليمية، وعلى رأسها مسار العلاقات الثنائية مع المملكة المغربية التي تترقب بحذر وذكاء دبلوماسي مآلات هذا المخاض السياسي، وسط رهانات كبرى ترتبط بمستقبل الاتفاقيات المشتركة والعقيدة الملكية الراسخة التي تدير باقتدار وثبات خيوط الدبلوماسية المغربية في أشد الظروف إقليميا ودوليا.

في هذا السياق أكد الخبير العسكري الدكتور عبد الرحمن مكاوي أن نتائج هذا الاقتراع، الذي يعد الأول من نوعه منذ أحداث 7 أكتوبر 2023، أسفرت عن مأزق سياسي وانسداد تاريخي حاد بعد تسجيل نسبة مشاركة قياسية بلغت 77.7%، وهو رقم قياسي لم يمثل منذ عام 1999 بزيادة بلغت 7% مقارنة بانتخابات عام 2022.

وأوضح مكاوي أن استطلاعات مخرجات الصناديق التي بثتها القنوات 11 و12 و13 أظهرت حالة تعادل حادة دون أغلبية حاسمة؛ حيث حصدت كتلة المعارضة بقيادة غادي آيزنكوت ما بين 52 و53 مقعدا، مقابل 50 مقعدا للائتلاف المنتهية ولايته بقيادة بنيامين نتنياهو، مضيفا أنه عقب فرز 51.8% من الأصوات، ارتفعت حصة كتلة نتنياهو إلى 55 مقعدا مقابل 49 مقعدا للمعارضة، مع تسجيل اختراق تاريخي للأحزاب والقوائم العربية بواقع 16 إلى 18 مقعدا متوقعا، ما يجعلها صانعة القرار.

وأشار المحلل الاستراتيجي إلى أن حزب الليكود واصل تصدره للمشهد السياسي كأول حزب فردي برصيد 24 إلى 25 مقعدا، متبوعا بحزب ياشار بقيادة آيزنكوت بـ 22 مقعدا، مشددا في هذا الصدد على أن النقطة المفتاحية البارزة بالنسبة للمغرب تتمثل في إمكانية صعود غادي آيزنكوت كأول رئيس وزراء في التاريخ، لكونه ابن عائلة من المهاجرين المغاربة.

وحول التأثير المباشر على محور العلاقات بين الرباط وتل أبيب، أفاد الدكتور مكاوي بأن المرجع الأساسي الذي يؤطر هذه العلاقة يستند إلى الاجتماع الثلاثي المنعقد بنيويورك في 16 سبتمبر 2026، والذي جمع وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة ونظيرـه الإسرائيلي جدعون ساعر والسفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز، والمتضمن لإعلانات رسمية تقضي بترقية البعثات الدبلوماسية إلى سفارات وتعيين السفراء وتوقيع اتفاقيات حماية الاستثمارات وتفادي الازدواج الضريبي وتسيير رحلات الخطوط الملكية المغربية، وهي المخرجات التي تظل في إطار الالتزامات المعلنة دون أن تدخل مرحلة التنفيذ الميداني بعد.

ولفت مكاوي إلى أن العقيدة الدبلوماسية المغربية منذ أكتوبر 2023 تتأسس على منهجية الفصل الصارم والحد التام بين المسارات، وذلك من خلال خفض الدفء السياسي العلني بالموازاة مع حماية وصيانة الآلة والمنظومة الأمنية والعسكرية، مستشهدا بتقديم المغرب لـ 40 طنا من المساعدات الإنسانية التي مرت عبر إسرائيل في مارس 2024، فضلا عن استمرار العمل بخطة التعاون العسكري المشتركة الخاصة بسنة 2026.

وعن السيناريوهات المرتقبة لمستقبل العلاقات الثنائية، فكك مكاوي 3 مسارات محتملة؛ ينص المسار الأول على أنه في حال ترؤس آيزنكوت للحكومة من موقع معارضة الوسط، فإن ذلك سيمثل مُسرعا ضخما للعلاقات بحكم أصوله المغربية التي تشكل رأسمالا رمزيا هائلا لدى الرباط، وعلى الرغم من كونه يعارض قيام دولة فلسطينية تماما كما يفعل نتنياهو، إلا أن انتقاده لتجاوزات وعنف المستوطنين في الضفة الغربية يمنح الرباط نافذة وسندا لتبرير خطوة ترقية السفارة أمام رأي عام داخلي رافض ومعاد، كما يتيح للملك إمكانية دعوة رئيس وزراء من أصل مغربي.

أما المسار الثاني فيتجسد في حال بقاء نتنياهو بحصيلة 55 مقعدا مدعوما بائتلاف اليمين المتطرف المكون من إيتمار بن غفير وبتزلال سموتريتش بحصيلة 13 مقعدا مشتركة، حيث يرى مكاوي أن هذا الخيار سيحقق استمرارية تقنية ولكنه سينتهي بإغلاق وانسداد سياسي يفرض على الرباط الابتعاد عن رفع مستوى التمثيل علنا، لتظل الاستراتيجية قائمة على الكثافة المنخفضة دون الوصول إلى قطيعة كما فعلت جنوب إفريقيا بتقديم دعوى الإبادة الجماعية أمام محكمة العدل الدولية ومطالبتها بإغلاق السفارة، وفي المقابل عدم تعيين سفير في حفل رسمي كبير، وهو الخيار المتوازن الذي فضله المغرب مقارنة بدول أخرى كتشاد التي استدعت سفيرها.

وأضاف المحلل الاستراتيجي مسارا ثالثا يرتبط بالتوقيت الانتخابي، موضحا أن إجراء التشريعيات المغربية في 23 سبتمبر والانتخابات الإسرائيلية في 27 أكتوبر يخلق مصلحة مشتركة لدى الحكومتين لإقفال وتحصين الاتفاقيات التقنية قبل تشكيل الائتلافات الحكومية الجديدة لعزل التفاهمات عن حالة التقلب السياسي.

وخلص عبد الرحمن مكاوي إلى أن النتائج الانتخابية في إسرائيل لا تغير بأي حال من الأحوال العقيدة الملكية الراسخة للمملكة، كون العلاقة بين الرباط وتل أبيب ترتكز على مؤسسات القصر والدولة وليس على ائتلافات الكنيست المتغيرة، إلا أن وصول رئيس وزراء من أصل مغربي كـ آيزنكوت سيعمل على تحويل اتفاق أمني وتقني سري إلى سردية شعبية ومجتمعية تخاطب نحو مليون يهودي مغربي يعيشون في إسرائيل، في حين أن بقاء نتنياهو المنتهية ولايته يبقي العلاقات محصورة في وضع الاستمرار البيروقراطي الهادئ للحفاظ على البقاء.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *