في سياق يتسم ببطء التعافي الاقتصادي العالمي واستمرار التحديات المرتبطة بالتضخم، قدم وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، فوزي لقجع، مساء أمس الجمعة 23 من أكتوبر الجاري أمام جلسة مشتركة لمجلسي النواب والمستشارين، الخطوط العريضة لمشروع قانون المالية لسنة 2027، وقد طرح هذا التقديم البرلماني جملة من النقاشات الجوهرية حول التوازنات الماكرو اقتصادية الوطنية، ومدى قدرة الفرضيات المالية الجديدة على تحقيق معادلة النمو الشامل والاستدامة الميزانياتية.
وفي هذا السياق، أكد سامي أمين، محلل اقتصادي، أن مشروع قانون المالية لسنة 2027 يعكس توجها نحو تعزيز البعد الاجتماعي للسياسة المالية، وذلك من خلال الجمع بين دعم القدرة الشرائية، وتحسين معاشات التقاعد، وتوسيع الحماية الاجتماعية، مع مواصلة الاستثمار العمومي الذي يرتقب أن يبلغ 400 مليار درهم بعد أن كان في قانون مالية لسنة 2026 حوالي 380 مليار درهم، في ظل نمو اقتصادي متوقع بنسبة 3.7%، وعجز ميزانياتي مستهدف في حدود 3%.
![]()
وأوضح المحلل الاقتصادي في تصريح خص به جريدة “بلبريس” أن أهمية الإجراءات الاجتماعية الجديدة تبرز في كونها تستهدف تحسين الدخل المتاح للفئات ذات الموارد المحدودة، خصوصا المتقاعدين والأرامل والأسر المستفيدة من الدعم المباشر.
وأشار سامي أمين إلى أنه على مستوى الرفع من الحد الأدنى للمعاشات الرئيسية إلى 1.700 درهم شهريا ابتداء من سنة 2027، مع استهداف بلوغ 3.000 درهم في أفق 2031، ورصد 3.3 مليارات درهم لفائدة نحو 500 ألف مستفيد، يمكن القول إن من شأن هذا الإجراء تحسين الدخل المنتظم لشريحة من المتقاعدين والحد من هشاشتها المعيشية، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف الغذاء والعلاج والسكن.
وأضاف المتحدث ذاته أنه على مستوى رفع معاش الأرملة من 50% إلى 100% من معاش الزوج المتوفى، باعتمادات تبلغ 7.3 مليارات درهم، لفائدة حوالي 431 ألف مستفيدة، يمثل هذا الإجراء تحولا نوعيا في مستوى الحماية المالية للأرامل، لأنه يهدف إلى الحد من الانخفاض الحاد في دخل الأسرة بعد وفاة المعيل، وبالتالي سيساهم في تعزيز الاستقرار المعيشي والاجتماعي.
ولفت المحلل الاقتصادي إلى أنه على مستوى الرفع من الحد الأدنى للدعم الاجتماعي المباشر من 500 إلى 600 درهم شهريا خلال سنة 2027، ضمن برنامج تبلغ اعتماداته 32.7 مليار درهم ويستفيد منه نحو أربعة ملايين أسرة، يمكن لهذه الزيادة أن تدعم الاستهلاك الأساسي للأسر المستحقة، وأن تساعد على التخفيف من آثار الهشاشة والفقر، خصوصا إذا اقترنت بتحسين دقة الاستهداف.
وأوضح سامي أمين أنه من الناحية الاقتصادية، فإن هذه التحويلات لا تقتصر آثارها على الجانب الاجتماعي فقط، بل يمكن أن تنعكس أيضا على تنشيط الطلب الداخلي والأسواق المحلية، بالنظر إلى أن الأسر محدودة الدخل توجه نسبة مهمة من مواردها نحو الاستهلاك الأساسي.
ولكن في المقابل، شدد المحلل الاقتصادي على أنه ينبغي التأكيد على أن المكسب الاجتماعي الحقيقي لا يقاس فقط بالزيادة في الدخل، بل أيضا بمدى تحسن القدرة الشرائية الفعلية بعد احتساب الأسعار، ولهذا تظل مراقبة أسواق المواد الغذائية، وتحسين المنافسة، وتقليص تكاليف التوزيع، عناصر أساسية لضمان فعالية ونجاعة هاته الإجراءات.
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن استدامة هذه المكاسب تتطلب موارد مالية منتظمة ونموا اقتصاديا منتجا، يوسع فرص التشغيل والقاعدة الضريبية، دون الإخلال بالتوازنات المالية.
وخلص سامي أمين إلى أن مشروع قانون المالية 2027 يربط بين توسيع الحماية الاجتماعية وتحفيز النشاط الاقتصادي، لكن في تقديره الاختبار الحاسم سيكون في سرعة وفعالية تنفيذ الالتزامات، ومدى انعكاسها على الدخل الحقيقي للأسر وتقليص الفوارق الاجتماعية، مؤكدا أن الغاية ليست فقط رفع مبالغ الدعم والمعاشات، وإنما تحقيق تحسن مستدام في مستوى معيشة المواطنين.