حين تعجز السياسة عن احتواء الغضب.. هل تقترب فرنسا من جمهورية سادسة؟

 

لم تعد الأزمة الفرنسية قابلة للاختزال في مشاهد الاحتجاجات التي تتكرر في الشوارع، أو في المواجهات التي تقع بين المتظاهرين وقوات الأمن، أو في الخلافات التي تطبع العلاقة بين الحكومة والمعارضة. فخلف هذه المظاهر المباشرة توجد أسئلة أكثر عمقاً تتعلق بطبيعة النظام السياسي الفرنسي، وبمدى قدرته على استيعاب التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يعرفها المجتمع. ومن هذا المنطلق، فإن السؤال الذي يستحق النقاش ليس ما إذا كانت فرنسا تحترق بالفعل، وإنما ما إذا كانت هذه الأزمات تعكس اختلالات ظرفية في تدبير الشأن العام، أم أنها تشير إلى حاجة متزايدة لإعادة النظر في أسس العلاقة بين الدولة والمجتمع.

من الصعب فهم الوضع الفرنسي من خلال الأحداث الآنية وحدها، لأن الاحتجاج شكل من أشكال التعبير السياسي والاجتماعي الذي ارتبط تاريخياً بالتجربة الفرنسية. فقد اعتاد الفرنسيون اللجوء إلى الشارع للدفاع عن مطالبهم والاعتراض على القرارات الحكومية، كما شكلت الحركات الاجتماعية في محطات عديدة عاملاً مؤثراً في تعديل السياسات العمومية. غير أن خصوصية المرحلة الراهنة تكمن في تداخل عوامل متعددة، من بينها الضغوط الاقتصادية، والقلق بشأن القدرة الشرائية، والتوتر حول الهجرة والهوية، وتراجع الثقة في الأحزاب التقليدية، إلى جانب النقاش المتواصل حول أداء المؤسسات التمثيلية وحدود السلطة التنفيذية.

إن ما يعطي هذه الأزمة أهميتها ليس وجود الاحتجاج في حد ذاته، بل طبيعة الأسئلة التي يطرحها. فعندما يشعر جزء من المواطنين بأن السياسات العمومية لا تستجيب بما يكفي لانتظاراتهم، أو بأن تكافؤ الفرص لم يعد مضموناً بالصورة التي كانوا يتوقعونها، فإن النقاش يتجاوز تقييم أداء حكومة بعينها ليطال النموذج الاجتماعي والسياسي برمته. وهنا يصبح الاحتقان مؤشراً على وجود مسافة بين المؤسسات وانتظارات المجتمع، وهي مسافة لا يمكن تقليصها بمجرد استعادة الهدوء في الشارع، بل تحتاج إلى مراجعة السياسات وبناء الثقة على أسس ملموسة.

في هذا السياق، تبدو الرئاسة الفرنسية أمام معادلة دقيقة. فالرئيس إيمانويل ماكرون يمتلك الصلاحيات التي يمنحها الدستور لرئيس الجمهورية، لكن الممارسة السياسية أظهرت أن قوة المؤسسات لا تقاس فقط بمدى اتساع اختصاصاتها، وإنما أيضاً بقدرتها على إنتاج التوافقات وتوفير شروط قبول القرارات العمومية. فالقرار الذي يستند إلى الشرعية القانونية قد يواجه صعوبات في التنفيذ عندما يفتقر إلى القبول الاجتماعي، كما أن الأغلبية السياسية، مهما كانت طبيعة تشكيلها، لا تستطيع أن تعوض بصورة دائمة غياب الحوار مع الفئات المتضررة من اختياراتها.

ومن هنا تبرز إحدى الإشكاليات الأساسية في التجربة الفرنسية المعاصرة: كيف يمكن التوفيق بين فعالية السلطة التنفيذية ومتطلبات الديمقراطية التشاركية والتمثيلية؟ لقد صُممت الجمهورية الخامسة، التي تأسست سنة 1958، في سياق تاريخي كان يهدف إلى تجاوز هشاشة الحكومات وتعزيز استقرار المؤسسات. وقد نجح هذا النظام في توفير قدر مهم من الاستمرارية السياسية، غير أن التحولات التي عرفها المجتمع الفرنسي أعادت إلى الواجهة النقاش بشأن حدود التركيز الدستوري للسلطة، ودور البرلمان، ومكانة الأحزاب والنقابات، وآليات إشراك المواطنين في صناعة القرار.

ولا يمكن، في المقابل، فصل الأزمة السياسية عن الأسئلة الاقتصادية والاجتماعية. فالدولة الفرنسية مطالبة بالحفاظ على مستوى الخدمات العمومية، وضمان استدامة منظومة الحماية الاجتماعية، والاستجابة لمطالب التعليم والصحة والتشغيل، في وقت تواجه فيه قيوداً مالية وتحديات مرتبطة بالنمو والمديونية. وتكمن صعوبة هذه المعادلة في أن تقليص الإنفاق قد يثير اعتراضات اجتماعية إذا مس قطاعات حيوية، بينما يؤدي توسيع النفقات من دون موارد مستدامة إلى زيادة الضغوط على المالية العامة. ولذلك، فإن النقاش حول مستقبل فرنسا لا يتعلق بالاختيار بين التقشف والإنفاق فحسب، بل بكيفية توزيع الأعباء والموارد، وتحديد الأولويات، وضمان قدر أكبر من العدالة في تحمل كلفة الإصلاحات.

ويزداد هذا النقاش أهمية مع اقتراب الانتخابات الرئاسية لعام 2027، التي ستشكل محطة أساسية في تقييم حصيلة المرحلة السياسية الحالية واختبار البدائل التي تقترحها القوى المتنافسة. فالمواجهة المقبلة لن تقتصر على الأشخاص والأحزاب، بل ستشمل تصورات مختلفة بشأن دور الدولة، ومستقبل النموذج الاجتماعي، والسياسة الاقتصادية، والهجرة، ومكانة فرنسا داخل الاتحاد الأوروبي وفي النظام الدولي. ومع ذلك، فإن طبيعة التنافس السياسي لا تسمح بالجزم مسبقاً باتجاه محدد، لأن الاختيارات الانتخابية تتأثر بعوامل متعددة، من بينها البرامج المقدمة، وسلوك الفاعلين السياسيين، وتطور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

في ظل هذه المعطيات، يبرز سؤال الجمهورية الجديدة. هل تحتاج فرنسا إلى تغيير نظامها السياسي، أم أن المطلوب هو تجديد الجمهورية القائمة وإعادة بناء الثقة في مؤسساتها؟ من الناحية التحليلية، ينبغي التمييز بين الدعوة إلى إصلاح المؤسسات والدعوة إلى تغيير شكل النظام الدستوري. فوجود أزمة في العلاقة بين المجتمع والسلطة لا يعني بالضرورة أن الإطار الدستوري القائم قد استنفد إمكاناته، كما أن المحافظة على المؤسسات لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لتجاهل مواطن الخلل في أدائها.

لقد أظهرت الجمهورية الخامسة قدرة على التكيف مع أزمات سياسية متعاقبة، لكن استمرار هذه القدرة يظل مرتبطاً بمدى استعداد الفاعلين السياسيين لمراجعة أساليب الحكم وتعزيز دور البرلمان، وتطوير الحوار الاجتماعي، وتحسين شروط المشاركة السياسية. فالإصلاح المؤسساتي لا يستمد قيمته من تغيير النصوص الدستورية وحدها، وإنما من قدرته على معالجة المشكلات التي دفعت إلى المطالبة به. وقد تتغير قواعد الحكم من دون أن تتغير الأسباب الاجتماعية والاقتصادية للاحتقان، إذا لم تقترن الإصلاحات بتحسين ملموس في حياة المواطنين.

كما أن الاحتجاجات لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها تعبيراً عن إرادة اجتماعية موحدة. فالمجتمع الفرنسي يضم فئات متعددة تختلف في مصالحها وتصوراتها وأولوياتها، وقد تتقاطع مطالبها في لحظة معينة من دون أن تتفق بالضرورة على مشروع سياسي مشترك. ومن ثم، فإن الانتقال من تشخيص الأزمة إلى الحديث عن قيام جمهورية جديدة يظل استنتاجاً يحتاج إلى أدلة سياسية ومؤسساتية أوسع من مجرد اتساع الاحتجاجات أو ارتفاع حدة الخطاب المعارض.

إن الرهان الحقيقي أمام فرنسا يتمثل في قدرتها على تحويل التوترات القائمة إلى فرصة لإعادة بناء التوافق الاجتماعي. ويتطلب ذلك سياسات عمومية أكثر استجابة للحاجات اليومية، ومؤسسات أكثر انفتاحاً على النقاش، وأحزاباً قادرة على تأطير المطالب الاجتماعية وتحويلها إلى برامج قابلة للتنفيذ. كما يقتضي الاعتراف بأن الاستقرار السياسي لا يتحقق فقط بفرض احترام القانون، على أهميته، بل أيضاً بتوفير الشروط التي تجعل المواطنين يشعرون بأن المؤسسات تمثلهم وتستجيب لمصالحهم المشروعة.

في المحصلة، لا يكفي القول إن فرنسا تحترق لوصف المرحلة، كما لا توجد معطيات كافية للجزم بأنها تتجه حتماً نحو جمهورية جديدة. الأدق هو اعتبار ما يجري اختباراً لقدرة الجمهورية الخامسة على تجديد شرعيتها السياسية والاجتماعية في سياق تتغير فيه مطالب المواطنين وتتزايد فيه صعوبة التوفيق بين الاستقرار الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والفعالية المؤسساتية.

إن مستقبل فرنسا لن يتحدد فقط بقدرة الدولة على احتواء الاحتجاجات، وإنما بمدى نجاحها في معالجة أسبابها، واستعادة الثقة في العمل السياسي، وإعادة الاعتبار لفكرة المصلحة العامة. فالجمهوريات لا تفقد معناها بالضرورة عندما تواجه الأزمات، لكنها تصبح مطالبة بمراجعة ذاتها عندما يتسع الفارق بين المبادئ التي تعلنها والواقع الذي يعيشه المواطنون.

لهذا، فإن السؤال الأعمق ليس ما إذا كانت فرنسا تبحث عن جمهورية جديدة، بل ما إذا كانت الجمهورية القائمة قادرة على تجديد مشروعها الاجتماعي والسياسي بما يجعلها أكثر استجابة لمجتمعها. ذلك هو التحدي الذي سيحدد مسار المرحلة المقبلة، بعيداً عن المبالغة في الحديث عن الانهيار، وبعيداً أيضاً عن الاطمئنان إلى أن قوة المؤسسات كافية وحدها لتجاوز الأزمة.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *