خبير يقرأ لـ”بلبريس” دلالات إدراج الذكاء الاصطناعي في حكومة المنصوري

يفتح إحداث وزارة للذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة، ضمن الحكومة الجديدة التي عيّن الملك محمد السادس أعضاءها اليوم الجمعة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، ورشاً يتجاوز إعادة ترتيب الحقائب إلى اختبار قدرة المغرب على توظيف التكنولوجيا في تحديث الإدارة وتطوير الاقتصاد. وتضع الحقيبة، التي أُسندت إلى أحمد رحو، هذا الطموح أمام رهان تحويله إلى برامج ونتائج ملموسة.

وفي تصريح خص به “بلبريس”، وصف أمين بلمزوقية، الخبير في الذكاء الاصطناعي ورئيس الاتحاد الدولي للذكاء الاصطناعي، إدراج هذا المجال صراحة ضمن التسمية الحكومية بأنه “مفاجأة متوقعة”، موضحاً أن المفاجأة تكمن في رمزية القرار وجرأته، فيما تجعله التحولات العالمية العميقة خطوة متوقعة، بعدما أصبح الذكاء الاصطناعي قوة استراتيجية تعيد رسم موازين الاقتصاد والمعرفة والابتكار وتؤثر في مكانة الدول.

أمين بلمزوقية، خبير في الذكاء الاصطناعي ورئيس الاتحاد الدولي للذكاء الاصطناعي

واعتبر بلمزوقية أن السؤال المطروح عالمياً لم يعد يتعلق بقدرة الذكاء الاصطناعي على تغيير حياة الأفراد والمؤسسات والاقتصادات، بل بمن سيقود هذا التحول ويمتلك أدوات إنتاج المعرفة والتكنولوجيا، ومن سيكتفي باستهلاك نتائجه واستيراد حلوله.

وأوضح أن التسمية الحكومية الجديدة تحمل دلالات تتجاوز البعد الإداري والرمزي، وتعكس اعترافاً بأهمية هذا المجال في المرحلة المقبلة. وأضاف أنها قد تؤشر على توجه لجعل الذكاء الاصطناعي رافعة للتنمية عبر مختلف القطاعات، وأداة لتحسين الخدمات العمومية وتعزيز تنافسية الاقتصاد وفتح آفاق أمام الشباب والكفاءات الوطنية.

وشدد المتحدث على أن “التحدي الحقيقي لا يكمن في تسمية الوزارة، بل في ما ستنجح في تحقيقه على أرض الواقع”، مؤكداً أن التحول يتطلب قرارات جريئة ورؤية واضحة واستثمارات قادرة على ترجمة الطموحات إلى إنجازات يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية.

ويرى رئيس الاتحاد الدولي للذكاء الاصطناعي أن المغرب يمتلك فرصة للانتقال من موقع المتابع للتحولات التكنولوجية إلى موقع المشارك في صناعتها، شريطة التعامل مع هذا المجال باعتباره مشروعاً وطنياً استراتيجياً، وليس قطاعاً تقنياً معزولاً.

وأبرز أن المملكة تتوفر على رأسمال بشري شاب وكفاءات علمية وهندسية ومؤهلات مؤسساتية واقتصادية يمكن البناء عليها لتطوير نموذج يراعي خصوصياتها وأولوياتها التنموية.

وحدد بلمزوقية أولى الأولويات في بناء استراتيجية وطنية واضحة للذكاء الاصطناعي، بأهداف قابلة للقياس وآجال محددة ومؤشرات دقيقة لتقييم النتائج، بما يتيح الانتقال من المبادرات المتفرقة إلى رؤية متكاملة تربط البحث العلمي بالاقتصاد والابتكار بحاجيات المجتمع.

وربط هذا المسار بالاستثمار في الإنسان، عبر تطوير التعليم والتكوين وإدماج الثقافة الرقمية والذكاء الاصطناعي في المنظومة التعليمية، إلى جانب تأهيل الموظفين والأطر ودعم الجامعات ومراكز البحث. كما دعا إلى استقطاب الكفاءات المغربية بالخارج وتوفير الظروف التي تشجعها على المساهمة في بناء منظومة وطنية للابتكار.

وأكد ضرورة دعم البحث والتطوير والشركات الناشئة وتشجيع الاستثمار التكنولوجي، للانتقال من استهلاك الحلول الأجنبية إلى إنتاج حلول مغربية، بما فيها نماذج وتطبيقات تراعي اللغتين العربية والأمازيغية والخصوصيات الثقافية والاجتماعية للمملكة.

واعتبر أن السيادة في العصر الرقمي لا تُقاس فقط بالقدرة على استعمال التكنولوجيا، وإنما ترتبط أيضاً بامتلاك المعرفة والبيانات والبنية التحتية والكفاءات البشرية التي تسمح بإنتاجها وتوجيهها.

وعلى مستوى المرفق العمومي، دعا بلمزوقية إلى جعل الإدارة مختبراً وطنياً لتطبيقات الذكاء الاصطناعي المسؤول، من خلال تبسيط المساطر وتسريع معالجة الملفات وتطوير الخدمات الاستباقية وتعزيز الشفافية والنجاعة. وأوضح أن المواطن ينتظر إدارة أكثر سرعة وفعالية وإنصافاً، تحترم وقته وحقوقه وكرامته، أكثر مما ينتظر خطابات عن المستقبل.

وشدد على ضرورة إرساء إطار قوي للحكامة والأخلاقيات وحماية المعطيات الشخصية والأمن السيبراني، يضمن استخدام هذه التقنيات بصورة آمنة وعادلة وشفافة، ويحمي المواطنين من مخاطر التمييز الخوارزمي والتضليل الرقمي وسوء استخدام البيانات. وأكد أن المطلوب هو تطوير ذكاء اصطناعي موثوق يتمحور حول الإنسان ويخدم الصالح العام.

ودعا إلى ربط تطبيقات هذه التكنولوجيا بالقطاعات الأساسية للتنمية، وفي مقدمتها الصحة والتعليم والفلاحة والصناعة والطاقة والماء والنقل والعدالة والإدارة، مع اعتماد آليات لتقييم أثرها الاقتصادي والاجتماعي، وضمان ألا تتحول إلى عامل إضافي لتوسيع الفوارق الرقمية أو المجالية.

وأبرز أهمية بناء شراكات دولية متوازنة، تتيح الاستفادة من الخبرات والتجارب العالمية وتعزز حضور المغرب في النقاشات الدولية بشأن حوكمة الذكاء الاصطناعي، مع الحفاظ على استقلالية القرار الوطني وتطوير القدرات المحلية.

وبخصوص المسؤول الجديد عن الحقيبة، أعرب بلمزوقية عن تمنياته له بالتوفيق، معتبراً أن المهمة تتجاوز تدبير قطاع حكومي، لارتباطها بجزء أساسي من مستقبل المغرب الاقتصادي والعلمي والإداري وموقعه في المنافسة العالمية على التكنولوجيا والمعرفة.

وأكد أن النجاح يتطلب رؤية استشرافية وجرأة في اتخاذ القرار وقدرة على التنسيق بين القطاعات الحكومية والجامعات والقطاع الخاص ومؤسسات البحث، فضلاً عن الانفتاح على الكفاءات الوطنية والدولية والاستماع إلى الشباب والمبتكرين ورواد الأعمال.

كما شدد على وضع برنامج عمل بأولويات محددة ونتائج قابلة للتقييم، حتى لا تضيع الفرصة وسط التعقيدات الإدارية أو تشتت المبادرات.

وخلص بلمزوقية، في تصريحه لـ”بلبريس”، إلى أن إدراج الذكاء الاصطناعي في التسمية الحكومية خطوة تستحق التقدير، لكن قيمتها الحقيقية ستُقاس بما تفتحه من فرص وتنتجه من حلول وتحدثه من أثر في حياة المواطنين ومكانة المملكة.

وأكد أن الرهان هو تحويل هذه اللحظة إلى بداية لانتقال المغرب من استيعاب التحول التكنولوجي إلى المشاركة في صناعته، معتبراً أن نجاح المهمة سيكون نجاحاً للمغرب وشبابه وكفاءاته ومستقبله.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *