من آيت أورير بإقليم الحوز، حيث بدأت علاقته بالعمل العام، إلى كرسي رئاسة مجلس النواب بالرباط، قطع أحمد التويزي مسارا سياسيا طويلا مر عبر الجماعة الترابية والجهة ومجلسي البرلمان، قبل أن يتوج تجربته بانتخابه رئيسا لمجلس النواب يوم 13 أكتوبر الجاري. رحلة تختصر انتقال رجل من تدبير قضايا المجال المحلي إلى تحمل مسؤولية قيادة مؤسسة دستورية في قلب الحياة السياسية المغربية.
ويحمل هذا الصعود أكثر من دلالة في مسار التويزي، المزداد بمراكش في فاتح يناير 1955، والذي بدأ حياته المهنية في قطاع التعليم أستاذا للعلوم الطبيعية، قبل أن يختار الانخراط في العمل السياسي وتدبير الشأن العام. فمنذ تسعينيات القرن الماضي، ارتبط اسمه بالعمل الجماعي والتمثيل الانتخابي، في مسار اتسعت دوائره تدريجيا من آيت أورير إلى مؤسسات القرار الجهوي والوطني.
وكانت سنة 1992 محطة مهمة في هذا المسار، إذ انطلقت تجربته في تدبير الشأن المحلي من جماعة آيت أورير، قبل أن يصل سنة 1993 إلى مجلس النواب ممثلا لإقليم الحوز. وبعدها بعام واحد، انتقل إلى مجلس المستشارين، الذي واصل عضويته فيه عبر ولايات متعاقبة إلى غاية سنة 2021، ما أتاح له الاحتكاك بتجارب متعددة داخل المؤسسة التشريعية، والتعرف على آليات اشتغال غرفتي البرلمان.
ولم يتوقف مسار التويزي عند التمثيل البرلماني، بل امتد إلى التدبير الجهوي، حيث انتخب في 18 شتنبر 2012 رئيسا لمجلس جهة مراكش تانسيفت الحوز، بعد حصوله على 56 صوتا مقابل 37 لمنافسه. وكانت هذه المحطة انتقالا من تدبير جماعة ترابية إلى مسؤولية أوسع تتعلق بمجال جهوي تتداخل فيه أولويات التنمية والبنيات التحتية والحاجيات الاجتماعية والاقتصادية.
وفي سنة 2020، عاد التويزي إلى رئاسة المجلس الجماعي لآيت أورير، قبل أن تعيده انتخابات 2021 إلى مجلس النواب، هذه المرة ضمن فريق حزب الأصالة والمعاصرة. وفي أكتوبر من السنة نفسها، انتخب رئيسا للفريق النيابي للحزب، وهو موقع وضعه في صلب النقاشات التشريعية والرقابية، وأمام مسؤولية تنسيق المواقف ومتابعة الملفات التي يشتغل عليها النواب.
وقد شكلت رئاسة الفريق محطة مفصلية في انتقاله إلى واجهة العمل البرلماني، بعدما راكم تجربة في التدبير المحلي والجهوي والعمل داخل مجلس المستشارين. فقيادة فريق نيابي لا تقتصر على تمثيل توجه حزبي، بل تتطلب متابعة مشاريع القوانين، وتنسيق المواقف، والتفاعل مع الحكومة وباقي الفرق والمجموعات، وهي مهارات سيحتاج إليها اليوم في موقع أوسع من حيث المسؤولية والتمثيل.
وجاءت انتخابات 23 شتنبر 2026 لتفتح أمامه الباب نحو محطة جديدة، إذ عاد إلى مجلس النواب عن إقليم الحوز، قبل أن يحظى بترشيح حزبه لرئاسة المجلس. وفي جلسة 13 أكتوبر، انتخب التويزي بالأغلبية المطلقة، بعدما حصل على 220 صوتا مقابل 59 صوتا لمنافسه إدريس الأزمي الإدريسي، ليصبح الرئيس الثاني عشر لمجلس النواب.
ويبرز في مسار التويزي تنوع مواقع المسؤولية التي مر منها؛ من الجماعة الترابية إلى مجلس الجهة، ومن مجلس المستشارين إلى مجلس النواب، مرورا بمسؤوليات حزبية وتربوية. وهذا التعدد يمنحه تجربة في التعامل مع مستويات مختلفة من التدبير العمومي، ويجعل انتخابه تتويجا لمسار طويل من العمل داخل المؤسسات المنتخبة، وليس مجرد انتقال عابر إلى منصب جديد.
كما أن وصوله إلى رئاسة مجلس النواب يمنحه موقعا متقدما في المشهد السياسي الوطني، ويضع بين يديه مسؤولية الإشراف على أشغال مؤسسة تضطلع بسن القوانين ومراقبة العمل الحكومي وتقييم السياسات العمومية.
وقد أكد التويزي، في كلمته عقب انتخابه، أهمية الارتقاء بجودة التشريع، وحسن استثمار المبادرة التشريعية البرلمانية والحكومية، حتى تصبح القوانين أكثر قدرة على مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية وتطلعات المواطنين.
وفي رئاسة التويزي الجديدة، تلتقي خبرة المنتخب المحلي مع تجربة البرلماني ورئيس الفريق، في مرحلة تتطلب إدارة مؤسسة تضم أغلبية ومعارضة وتوجهات سياسية متعددة. وقد تعهد بأن يكون رئيسا لجميع النواب، وهو ما يمنح مهمته بعدا يتجاوز الانتماء الحزبي نحو مسؤولية تدبير العمل البرلماني بمختلف مكوناته.
من آيت أورير إلى الرباط، تبدو حكاية أحمد التويزي مثالا لمسار سياسي تشكل عبر محطات متعاقبة من المسؤولية المحلية والجهوية والبرلمانية. أما رئاسة مجلس النواب، فهي اليوم أبرز محطات هذا المسار، وفرصة جديدة أمامه لترجمة تجربته الطويلة إلى أداء مؤسساتي يترك بصمته في الولاية التشريعية الممتدة من 2026 إلى 2031.