أعادت منظمة «مراسلون بلا حدود» فتح ملف حرية الصحافة في المغرب، مع انتهاء الولاية الحكومية التي أعقبت انتخابات 2021 وإجراء الانتخابات التشريعية في شتنبر 2026، مقدمة حصيلة لخمس سنوات قالت إنها اتسمت باستمرار الضغوط على الصحافيين وتراجع هامش الوصول إلى المعلومات، إلى جانب تعثر تنظيم المهنة وظهور أشكال جديدة من المضايقات في الفضاء الرقمي.
وفي تقرير صدر عقب الانتخابات التشريعية الأخيرة، ربطت المنظمة بين عدد من التطورات التي شهدها قطاع الإعلام خلال الفترة الممتدة من 2021 إلى 2026، معتبرة أن المتابعات القضائية ظلت إحدى أبرز الأدوات المستخدمة ضد صحافيين منتقدين، بالتوازي مع أزمة التنظيم الذاتي للمهنة وتنامي حملات التشهير والاستهداف عبر منصات التواصل الاجتماعي.
ومن بين أبرز المحطات التي توقف عندها التقرير، إغلاق صحيفة «أخبار اليوم» في مارس 2021، بعد سنوات من المتابعات القضائية التي طالت مديرها توفيق بوعشرين، فضلا عن الأحكام الصادرة في حق رئيس تحريرها سليمان الريسوني والصحافي الاستقصائي عمر الراضي. كما أشارت المنظمة إلى أن هواتف عدد من هؤلاء الصحافيين تعرضت، بحسب ما أوردته، للاستهداف بواسطة برنامج التجسس «بيغاسوس».
وفي السياق ذاته، اعتبرت «مراسلون بلا حدود» أن السنوات الأخيرة شهدت توسعا في استخدام القانون الجنائي لمتابعة صحافيين، عوض الاقتصار على مقتضيات قانون الصحافة والنشر. واستحضرت في هذا الإطار قضية مدير موقع «بديل» حميد المهداوي، الذي صدر في حقه حكم بالسجن لمدة 18 شهرا في نونبر 2024، قبل أن يواجه خلال سنة 2025 خمس دعاوى قضائية منفصلة رفعها وزير العدل.
كما أدرج التقرير قضية مدير موقع «لكم» علي أنوزلا ضمن الملفات التي ما تزال مفتوحة، مشيرا إلى أن محاكمته تعود إلى سنة 2013 على خلفية تهمة «الإشادة بالإرهاب»، ووصفها بأنها من أطول الإجراءات القضائية المفتوحة ضد صحافي في القارة الإفريقية.
وتوقف التقرير أيضا عند توقيف الصحافي المغربي الفرنسي علي المرابط في يوليوز 2026، بعد وصوله إلى المغرب، قبل الإفراج عنه بعد ثلاثة أيام، مع استمرار التحقيق في القضية، وفق المعطيات التي أوردتها المنظمة.
وفي مقابل هذه الوقائع، سجلت المنظمة محطة اعتبرتها إيجابية، تتمثل في العفو الملكي الصادر في 29 يوليوز 2024، والذي شمل توفيق بوعشرين وعمر الراضي وسليمان الريسوني، إلى جانب الأكاديمي والناشط المعطي منجب. غير أن «مراسلون بلا حدود» قالت إن الآمال التي رافقت هذا القرار بشأن حدوث انفراج في وضع حرية الصحافة لم تستمر طويلا، مشيرة إلى متابعات قضائية وحملات مضايقة رقمية قالت إنها استهدفت بعض الصحافيين المفرج عنهم وأفرادا من أسرهم.
وفي جانب آخر، خصص التقرير حيزا لأزمة المجلس الوطني للصحافة، معتبرا أن الهيئة ظلت تعمل منذ إحداث اللجنة المؤقتة سنة 2023 في غياب هيئة منتخبة بشكل كامل. وأضاف أن تعثر انتخابات 2025 دفع الحكومة إلى إطلاق إصلاح للإطار القانوني المنظم للمجلس، وهو الإصلاح الذي أثار انتقادات داخل الأوساط الإعلامية، قبل إجراء انتخابات جديدة في 15 شتنبر 2026.
ولم تقتصر ملاحظات المنظمة على الجانب القضائي والمؤسساتي، إذ رصدت أيضا حالات قالت إنها أثرت على عمل الصحافيين في الميدان. ومن بين الوقائع التي أوردتها توقيف وترحيل الصحافيين الفرنسيين كينتان مولر وتيريز دي كامبو سنة 2023، ومنع صحافيين من تغطية بعض احتجاجات حركة «جيل زد 212» خلال خريف 2025، فضلا عن مطالبة فريقي وكالة الأنباء الإسبانية «إفي» والتلفزيون العمومي الإسباني بمغادرة الفنيدق في غشت 2026، أثناء تغطيتهما محاولات العبور نحو سبتة.
وامتد رصد المنظمة إلى الفضاء الرقمي، حيث تحدث التقرير عن تصاعد حملات التشهير والكراهية ضد صحافيين مستقلين. وقال إن حملة عبر الإنترنت استهدفت، منذ نهاية يوليوز الماضي، عددا من الصحافيين، من بينهم عمر الراضي وسليمان الريسوني وتوفيق بوعشرين وحميد المهداوي وعلي أنوزلا، مشيرا إلى أن هذه الحملة بلغت ذروتها بين 14 و16 شتنبر، بالتزامن مع الحملة الانتخابية.
وتأتي هذه المعطيات في سياق ترتيب المغرب في التصنيف العالمي لحرية الصحافة لسنة 2026 الصادر عن «مراسلون بلا حدود»، حيث حل في المرتبة 105 من أصل 180 بلدا وإقليما.
وبذلك تقدم المنظمة قراءة نقدية لمسار حرية الصحافة خلال الولاية الحكومية 2021-2026، واضعة في صلب حصيلتها المتابعات القضائية التي طالت صحافيين، وأزمة التنظيم الذاتي للمهنة، والقيود التي قالت إنها واجهت العمل الصحافي الميداني، إلى جانب تنامي الضغوط والاعتداءات الرقمية، وهي عناصر اعتبرتها المنظمة جزءا من المشهد الإعلامي المغربي خلال السنوات الخمس الأخيرة.