لم تعد قفزة أسعار النفط مجرد تطور في أسواق الطاقة العالمية، بل بدأت تقترب من جيوب المغاربة مباشرة. فمع تجاوز خام برنت مجدداً عتبة 107 دولارات للبرميل، تتصاعد المخاوف من موجة جديدة من الضغوط على أسعار المحروقات في المغرب، في ظرف سياسي شديد الحساسية لا يفصل عن موعد الانتخابات التشريعية سوى أيام قليلة. وتحركت العقود الآجلة لخام برنت بأكثر من 3 في المائة خلال التعاملات الأخيرة، لتبلغ نحو 107.8 دولارات للبرميل، بعدما كانت الأسعار قد سجلت ارتفاعاً قوياً خلال الأسبوع الماضي. وجاء هذا التصعيد في أعقاب هجمات طالت منشآت سعودية وسفناً في منطقة الخليج، ما أعاد إلى الواجهة المخاوف بشأن استقرار الإمدادات العالمية. وتكمن خطورة التطورات الأخيرة في أنها لا تضرب منشأة نفطية معزولة، وإنما تمس مسارات حيوية لنقل الخام. فقد توقف خط أنابيب النفط السعودي “شرق-غرب”، الذي يربط مناطق الإنتاج في شرق المملكة بميناء ينبع على البحر الأحمر، ويشكل بديلاً استراتيجياً لنقل النفط بعيداً عن مضيق هرمز. وينقل هذا الخط في الظروف العادية نحو 4 ملايين برميل يومياً، أي ما يقارب 4 في المائة من الإمدادات العالمية. والأكثر إثارة للقلق أن تقديرات نقلتها رويترز تشير إلى أن المخزونات الجاهزة للتصدير في ميناء ينبع قد لا تكفي سوى خمسة إلى سبعة أيام في حال طال أمد توقف الخط. لكن معادلة الخطر لا تتوقف عند السعودية. فمضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط عالمياً، يواجه بدوره ضغوطاً متزايدة على حركة ناقلات الخام، فيما تتصاعد المخاوف بشأن باب المندب على خلفية التطورات العسكرية الأخيرة. ومع ارتفاع مخاطر الملاحة، ترتفع في المقابل تكاليف النقل والتأمين، لتجد السوق نفسها أمام عوامل إضافية قد تدفع الأسعار إلى مزيد من الصعود. وزاد تأجيل اجتماع كان مقرراً بين إيران ودول خليجية في سلطنة عمان من حالة عدم اليقين، في وقت باتت فيه الأسواق أكثر حساسية تجاه أي تطور سياسي أو عسكري يمكن أن يهدد حركة الإمدادات. وتأتي هذه التطورات في وقت دخل فيه سوق النفط بالفعل مرحلة أكثر توتراً منذ بداية التصعيد في المنطقة. ووفق المعطيات التي أوردتها رويترز، تراجعت المخزونات العالمية بشكل ملحوظ بالتزامن مع انخفاض شحنات المنتجات المكررة، وهو ما يجعل سوق الديزل تحديداً أكثر عرضة للضغط إذا استمرت الاضطرابات. وفي المغرب، تبدو انعكاسات هذه المعادلة أكثر حساسية، خصوصاً أن أسعار المحروقات لم تتوقف عن الارتفاع خلال الفترة الأخيرة. فقد زاد سعر الغازوال بنحو 2.40 درهم للتر منذ منتصف يوليوز، قبل أن تسجل الأسعار زيادة جديدة في فاتح شتنبر بلغت ستة سنتيمات للتر، ليقترب الغازوال من مستوى 15 درهماً، بل يتجاوزه في عدد من المدن والمحطات. وهنا تبرز نقطة أساسية: هل يعني وصول برنت إلى أكثر من 107 دولارات أن المغاربة على موعد حتمي مع زيادة جديدة في أسعار الوقود؟ الإجابة ليست بهذه البساطة. فسعر النفط الخام لا ينتقل بصورة آلية ومباشرة إلى مضخات محطات الوقود بالمغرب، إذ تدخل في تحديد السعر النهائي عوامل متعددة، من بينها أسعار المنتجات النفطية المكررة، وسعر صرف الدرهم، وتوقيت اقتناء الشحنات، إضافة إلى هوامش مختلف المتدخلين. غير أن استمرار برنت فوق مستوى 100 دولار يرفع، في المقابل، تكلفة الاستيراد ويزيد هامش الضغط على السوق المحلية. وكلما طال بقاء الأسعار العالمية عند هذه المستويات المرتفعة، أصبح احتمال انعكاسها على أسعار الغازوال والبنزين أكثر واقعية. وتزداد حساسية هذا السيناريو بسبب التوقيت السياسي. فهذه التطورات تتزامن مع الأيام الأخيرة من الحملة الانتخابية، قبيل موعد الانتخابات التشريعية المقرر في 23 شتنبر، في وقت يخوض فيه حزب التجمع الوطني للأحرار وحلفاؤه المرحلة الأخيرة من السباق الانتخابي. ومن هذه الزاوية، لا تبدو أسعار المحروقات مجرد مؤشر اقتصادي، بل تتحول إلى ملف سياسي قابل للتأثير في المزاج الانتخابي. فأي زيادة جديدة، إذا فرضتها تطورات السوق الدولية واستمرت لفترة كافية، ستأتي في توقيت شديد الحساسية بالنسبة إلى الحكومة، خصوصاً بعد سنوات من الجدل حول تحرير أسعار المحروقات وتأثيره على القدرة الشرائية. وبالنسبة إلى عزيز أخنوش، فإن عودة النفط إلى ما فوق 100 دولار تعيد ملف المحروقات إلى دائرة الضوء من جديد. فالمعادلة التي تواجه رئيس الحكومة تبدو معقدة: ارتفاع عالمي لا تتحكم فيه الحكومة المغربية، في مقابل مستهلك لا يتابع سعر برنت في الأسواق الدولية بقدر ما يراقب الرقم الذي يظهر أمامه في محطة الوقود. لذلك، فإن تجاوز خام برنت حاجز 107 دولارات لا يعني بالضرورة أن أسعار المحروقات في المغرب ستقفز مباشرة، لكنه يرفع مستوى المخاطرة، خصوصاً إذا استمرت موجة الصعود أو استقرت الأسعار العالمية عند مستويات مرتفعة لأسابيع إضافية. وهنا قد لا يكون السؤال الأهم هو ما إذا كان النفط قد تجاوز 107 دولارات، وإنما إلى متى سيبقى فوق حاجز 100 دولار، ومتى ستبدأ كلفة هذه القفزة في الظهور على فاتورة المغاربة؟ ومع اقتراب موعد الاقتراع، قد تتحول كل زيادة جديدة في سعر الغازوال أو البنزين إلى عنصر إضافي في النقاش الانتخابي حول القدرة الشرائية وتدبير ملف المحروقات.