مع دخول المغرب رسمياً أجواء الحملة الانتخابية لتشريعيات 2026، لا تتوقف عجلة العمل الحكومي، بل تستمر اجتماعات مجلس الحكومة وتدبير القطاعات الوزارية بشكل اعتيادي. هذا التزامن بين المسار الانتخابي والمسؤولية التنفيذية يفتح نقاشاً يتجاوز الجانب السياسي إلى سؤال مؤسساتي دقيق: كيف يمكن للوزير أن يواصل ممارسة صلاحياته الحكومية، وفي الوقت نفسه يخوض منافسة انتخابية بصفته الحزبية؟
ويأتي اجتماع مجلس الحكومة المقرر اليوم الخميس، برئاسة عزيز أخنوش، بعد توقف لأكثر من شهر ونصف، في ظرفية سياسية تتسم بتصاعد التنافس الانتخابي وتباين مواقف بعض مكونات الأغلبية، على خلفية تصريحات أطلقها عدد من أعضائها في سياق الحملة الانتخابية.
غير أن دخول البلاد مرحلة الحملة لا يعني، من الناحية الدستورية والقانونية، أن الحكومة فقدت صلاحياتها أو أصبحت تلقائياً في وضعية تصريف الأعمال. فالحكومة تظل قائمة وتمارس اختصاصاتها إلى حين انتهاء مهامها وفق الحالات والمساطر المحددة دستورياً، ما يعني أن الوزراء يستمرون في تدبير القطاعات التي يشرفون عليها واتخاذ القرارات المرتبطة بمسؤولياتهم الرسمية.
ويكتسي هذا المعطى أهمية خاصة في ظل القانون التنظيمي رقم 065.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها، والذي يؤطر، ضمن مقتضياته، كيفية اشتغال مجلس الحكومة وإعداد جدول أعماله. وتواصل الأمانة العامة للحكومة نشر المعطيات المتعلقة بأشغال المجلس، بما يعكس من الناحية المؤسساتية استمرار النشاط الحكومي خلال المرحلة الانتخابية.
ومن هذه الزاوية، لا يبدو انعقاد مجلس الحكومة بالتزامن مع الحملة الانتخابية استثناءً في حد ذاته، لأن الانتخابات لا تشكل سبباً تلقائياً لتعليق عمل السلطة التنفيذية. فالاستمرارية المؤسساتية تقتضي أن تواصل الحكومة أداء وظائفها إلى نهاية ولايتها، بينما تسير العملية الانتخابية وفق قواعد وضوابط خاصة بها.
وقد سبق لرئيس الحكومة عزيز أخنوش أن أكد تمسك حكومته بمواصلة العمل إلى نهاية الولاية، معتبراً أن المسؤولية التنفيذية لا تتوقف بمجرد دخول البلاد أجواء الانتخابات. ويعكس هذا الموقف تصوراً سياسياً يقوم على الفصل بين استمرار مؤسسات الدولة في أداء وظائفها وبين انخراط الأحزاب في المنافسة الانتخابية.
لكن الإشكال الحقيقي يبدأ عند نقطة التماس بين الصفتين. فالوزير، عندما يجلس داخل مجلس الحكومة أو يمارس اختصاصاته القطاعية، يتحرك بصفته مسؤولاً حكومياً؛ أما عندما يخوض تجمعاً انتخابياً أو يقدم نفسه للناخبين، فإنه يتحرك بصفته الحزبية أو كمرشح. وبين الصفتين توجد حدود قانونية ومؤسساتية يفترض أن تظل واضحة طوال فترة الحملة.
وتزداد حساسية هذه الحدود عندما يكون الوزير مرشحاً في الانتخابات، لأن استعمال الوسائل والإمكانات والموارد المرتبطة بالوظيفة الحكومية لأغراض انتخابية يمكن أن يطرح إشكالات تتعلق بتكافؤ الفرص ونزاهة المنافسة. لذلك، فإن استمرار المسؤول الحكومي في أداء مهامه لا ينبغي أن يتحول إلى امتداد للآلة الانتخابية للحزب الذي ينتمي إليه.
كما أن الفصل بين الدورين لا يعني تعطيل العمل الحكومي أو تجميد القرارات العمومية خلال فترة الحملة. على العكس، المطلوب هو أن تستمر الإدارة في أداء وظائفها بشكل طبيعي، مع الحفاظ على حياد المرافق العمومية وعدم توظيفها لصالح أي طرف انتخابي.
ومن هنا، فإن الحديث عن وضع الحكومة في حالة تصريف الأعمال لمجرد انطلاق الحملة الانتخابية يخلط بين وضعيتين مختلفتين. فالحكومة التي انتهت مهامها تخضع لمقتضيات قانونية خاصة، بينما الحكومة القائمة تواصل ممارسة صلاحياتها ما دامت ولايتها لم تنته وفق القواعد الدستورية.
وتبرز أهمية هذا التمييز في المرحلة الحالية، خصوصاً أن عدداً من أعضاء الحكومة ينتمون إلى أحزاب تخوض الانتخابات وتعمل على استقطاب أصوات الناخبين. فالرهان لا يتعلق فقط باستمرار اجتماعات مجلس الحكومة، وإنما بكيفية ضمان أن يظل القرار الحكومي منفصلاً عن الحسابات الانتخابية، وأن تكون المنافسة السياسية قائمة على البرامج والمرشحين وليس على استثمار الموقع داخل السلطة التنفيذية.
وبذلك، تبدو المعادلة التي تفرضها انتخابات 2026 واضحة في ظاهرها ومعقدة في تطبيقها: حكومة مطالبة بالاستمرار في تدبير الشأن العام، ووزراء منخرطون في منافسة انتخابية، وإدارة يفترض أن تظل محايدة بين المتنافسين.
وعليه، فإن الاختبار الحقيقي خلال هذه المرحلة لن يكون في استمرار الحكومة في عقد اجتماعاتها، فهذا يدخل في صميم الاستمرارية المؤسساتية، وإنما في قدرتها وأعضائها على الحفاظ على المسافة الضرورية بين ممارسة السلطة التنفيذية وخوض المنافسة الانتخابية، بما يضمن وضوح المسؤوليات ويحمي مبدأ تكافؤ الفرص.