لم تعد المعركة الانتخابية تُحسم فقط في الساحات واللقاءات المباشرة ومن خلال البرامج والوعود، بل انتقلت بشكل متزايد إلى الفضاء الرقمي، حيث يمكن لمنشور واحد أو صورة مفبركة أو تسجيل مجتزأ أن يصل إلى آلاف الناخبين خلال دقائق. ومع اقتراب انتخابات 23 شتنبر المقبل، يبدو أن المشرّع المغربي يتعامل مع هذا التحول باعتباره تحدياً مباشراً لنزاهة العملية الانتخابية وليس مجرد ظاهرة مرتبطة بالتواصل السياسي.
وتكشف المقتضيات الجديدة التي أُدخلت على المنظومة القانونية المؤطرة للاستحقاقات الانتخابية عن محاولة لإعادة ضبط حدود المنافسة السياسية في البيئة الرقمية، من خلال استهداف المحتويات التي لا تكتفي بالتعبير عن موقف أو انتقاد مرشح، وإنما تتجه إلى التضليل والتشهير والتأثير غير المشروع في إرادة الناخبين.
وتمنح المادة 51 المكررة لهذا التوجه بعداً أكثر وضوحاً، إذ تجرّم استخدام وسائل تكنولوجيا الإعلام والتواصل الحديثة لبث أو توزيع أقوال أو صور أشخاص دون موافقتهم، عندما يكون الغرض المساس بحياتهم الخاصة أو التشهير بهم، كما تشمل نشر الأخبار الزائفة والادعاءات والوقائع الكاذبة والمستندات المختلقة أو المدلس فيها، متى كان الهدف التشكيك في صدقية الانتخابات ونزاهتها.
واللافت في هذا المقتضى أن التجريم لا يقوم، بحسب الصياغة المعتمدة، على مجرد تداول محتوى خاطئ أو ممارسة النقد السياسي، وإنما يرتبط بتوافر قصد جنائي يتمثل في الرغبة في الإضرار أو التشهير أو التأثير بصورة غير مشروعة في العملية الانتخابية. وهذا الشرط يمثل، من الناحية القانونية، محاولة للفصل بين حرية التعبير، بما تتضمنه من انتقاد ومساءلة، وبين الممارسات الرقمية التي تتحول إلى أدوات للتلاعب بإرادة الناخبين.
وتزداد أهمية هذا التفريق في ظل التحولات التي أحدثها الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى. فإنتاج صور أو تسجيلات أو مقاطع صوتية تبدو حقيقية لم يعد يتطلب إمكانات تقنية كبيرة، وهو ما يفتح المجال أمام ما يمكن وصفه بـ«التضليل الانتخابي الرقمي»، خصوصاً خلال الفترات التي ترتفع فيها حساسية الرأي العام وتصبح المعلومة عاملاً مؤثراً في الاختيار السياسي.
من هذه الزاوية، لا تبدو المادة الجديدة مجرد تشديد للعقوبات، وإنما محاولة لاستباق شكل جديد من أشكال التأثير في الانتخابات. فالمخاطر لم تعد مرتبطة فقط بشراء الأصوات أو استعمال المال أو الضغط المباشر على الناخب، بل أصبحت تشمل أيضاً إمكانية توجيه السلوك الانتخابي من خلال محتويات مصممة لإثارة الخوف أو التشويه أو فقدان الثقة في مرشح أو مؤسسة أو في العملية الانتخابية برمتها.
أما العقوبات المحددة في الحبس من سنتين إلى خمس سنوات وغرامة تتراوح بين 50 ألفاً و100 ألف درهم، فتؤكد أن المشرّع ينظر إلى بعض أشكال التضليل الرقمي الانتخابي باعتبارها أفعالاً ذات خطورة تتجاوز حدود المخالفات التواصلية العادية، خصوصاً عندما تقترن بنية واضحة للإضرار أو التشهير أو المساس بنزاهة الاستحقاقات.
غير أن فعالية هذا المقتضى لن تُقاس فقط بصرامة العقوبة، وإنما بمدى دقة تطبيقه. فالمعادلة الأكثر حساسية تتمثل في ضمان ألا يتحول التصدي للأخبار الزائفة إلى تضييق على النقد السياسي أو الآراء المعارضة أو النقاش العمومي، لأن حماية نزاهة الانتخابات تفترض في الوقت نفسه حماية حق المواطنين في تداول المعلومات والتعبير عن مواقفهم واختياراتهم.
وهنا تبرز أهمية عنصر القصد الجنائي، باعتباره أحد المفاتيح الأساسية لتحقيق التوازن بين الحق في التعبير والمسؤولية عن المحتوى الرقمي. فالانتخابات الديمقراطية تحتاج إلى فضاء مفتوح للنقاش والانتقاد، لكنها تحتاج بالقدر نفسه إلى حماية الناخب من حملات منظمة تقوم على الكذب والتزييف وانتهاك الحياة الخاصة.
ومن المتوقع أن يصبح هذا التحدي أكثر حضوراً خلال الاستحقاقات المقبلة، في ظل الدور المتنامي لمنصات التواصل الاجتماعي في تشكيل المواقف السياسية. فالمرشح الذي كان يحتاج في السابق إلى أيام أو أسابيع للوصول إلى جمهور واسع يستطيع اليوم بلوغ آلاف الأشخاص في وقت قصير، كما أن المحتوى المفبرك يمكن أن ينتشر بوتيرة أسرع بكثير من إمكانية تصحيحه أو تفنيده.
لذلك، فإن الرهان الحقيقي للمقتضيات الجديدة لا يكمن فقط في ردع مرتكبي الجرائم الرقمية، بل في حماية الثقة العامة في العملية الانتخابية. فحين يفقد الناخب ثقته في المعلومات التي تصله، أو يصبح عاجزاً عن التمييز بين الحقيقة والتزييف، فإن الضرر لا يطال مرشحاً بعينه، وإنما يمتد إلى صورة المؤسسات المنتخبة ومصداقية الديمقراطية نفسها.
وبهذا المعنى، تضع المادة 51 المكررة الفضاء الرقمي داخل صلب المعركة من أجل نزاهة الانتخابات، وتؤسس لمسؤولية قانونية تتناسب مع التحول الذي طرأ على أدوات التأثير السياسي. غير أن نجاح هذا الخيار سيظل رهيناً بصرامة التطبيق من جهة، وبالحرص على عدم تجاوز الحدود التي تفصل بين مكافحة التضليل وحماية حرية التعبير من جهة أخرى.
ومع اقتراب موعد 23 شتنبر، يبدو أن الانتخابات المقبلة لن تكون اختباراً للأحزاب والمرشحين فقط، بل ستكون أيضاً اختباراً لقدرة المنظومة القانونية والمؤسسات المعنية على مواجهة عصر جديد من الحملات الرقمية، حيث أصبحت الصورة والصوت والمعلومة أدوات انتخابية قد تكون أكثر تأثيراً من الخطاب السياسي التقليدي.