الرباط تبلغ مدريد بفتح تحقيق في أزمة سبتة وسط تصاعد الجدل

أبلغت السلطات المغربية الحكومة الإسبانية بفتح تحقيق بشأن موجة العبور الجماعي التي شهدتها مدينة سبتة أواخر يوليوز الماضي، في تطور يأتي في وقت لا تزال فيه تداعيات الأزمة تلقي بظلالها على العلاقات المغربية الإسبانية، بينما تتواصل التحقيقات الإسبانية في ظروف وملابسات دخول عشرات الآلاف من الأشخاص إلى المدينة خلال يومي 30 و31 يوليوز.

وبحسب ما نقلته وكالة الأنباء الإسبانية EFE عن مصادر في الحكومة الإسبانية، فإن وزير الشؤون الخارجية المغربي ناصر بوريطة أبلغ نظيره الإسباني خوسيه مانويل ألباريس بفتح الرباط تحقيقاً حول ما جرى. ولم تكشف المعطيات المتاحة عن طبيعة هذا التحقيق أو الجهات التي تتولاه أو ما إذا كانت نتائجه قد خلصت إلى تحديد مسؤوليات بعينها.

ويأتي الإعلان عن التحقيق المغربي في ظرف حساس، بعدما تحولت أزمة سبتة إلى أحد أبرز الملفات المطروحة على أجندة الحكومة الإسبانية خلال الأسابيع الأخيرة. فقد شهدت المدينة، ابتداءً من 30 يوليوز، تدفقاً استثنائياً للمهاجرين القادمين من الجانب المغربي، عبر السباحة وبمحاذاة الحاجز البحري في منطقة تاراخال، في مشهد أعاد إلى الأذهان أزمة ماي 2021، وإن كانت الأرقام هذه المرة أكبر بكثير وفق المعطيات التي أعلنتها السلطات الإسبانية لاحقاً.

وبعد اختلاف التقديرات الأولية بشأن حجم العبور، استقرّت الحكومة الإسبانية لاحقاً على رقم يقارب 72 ألف شخص دخلوا سبتة خلال يومي 30 و31 يوليوز، قبل أن تؤكد أن الغالبية الساحقة منهم عادت إلى المغرب في ظرف وجيز. وكانت أرقام أولية قد تحدثت عن 49 ألفاً ثم أكثر من 60 ألفاً، قبل أن تعتمد الحكومة رقم 72 ألفاً باعتباره المعطى الرسمي الذي حافظت عليه لاحقاً.

ولم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الأمني والسياسي، إذ خلفت عملية العبور الجماعي حصيلة بشرية ثقيلة. فقد ارتفع عدد جثامين المهاجرين التي جرى انتشالها في السواحل والمناطق القريبة من سبتة إلى 67 حالة في الأول من غشت، وفق معطيات نقلتها وكالة EFE عن مصادر تابعة للسلطات الإسبانية، فيما تحدثت منظمة “كاميناندو فرونتيراس” لاحقاً عن حصيلة أعلى تشمل الوفيات المسجلة على جانبي الحدود.

وفي الجانب الإسباني، لم يتوقف النقاش عند حجم الأزمة، بل امتد إلى سؤال أساسي يتعلق بما إذا كان بالإمكان توقعها أو رصد مؤشرات مسبقة بشأنها. وكانت المحكمة الوطنية الإسبانية قد طلبت من الحرس المدني والشرطة الوطنية تقارير حول المعلومات التي توفرت في الأيام السابقة، وما إذا كانت هناك معطيات كان من شأنها أن تنبه إلى احتمال وقوع تدفق جماعي بهذا الحجم.

وفي آخر تطورات هذا الملف، أفادت RTVE، اليوم الجمعة، بأن قيادة مصلحة المعلومات في الحرس المدني سلمت القاضية ماريا تاردون الوثيقة التي طلبتها بشأن ما إذا كانت أجهزة الأمن قد تلقت في الأيام التي سبقت الأزمة معلومات كان يمكن أن تنبه إلى احتمال وقوع الدخول الجماعي، إلى جانب المعطيات المتعلقة بتدبير عمليات الإنقاذ والوفيات.

وتزداد حساسية التحقيق الإسباني بعد تداول تقرير منسوب إلى مركز الهجرة والحدود الوطني التابع للشرطة الإسبانية، CENIF، تحدث عن مؤشرات على “تسامح” غير معتاد من جانب قوات الأمن المغربية، بل وأشار، وفق ما نشرته صحيفة El País، إلى احتمال قيام عناصر مغربية بتوجيه مجموعات من المهاجرين نحو نقاط معينة على الحدود، من بينها منطقة تاراخال. كما تحدث التقرير عن وجود تعبئة واسعة عبر شبكات التواصل الاجتماعي خلال الفترة التي سبقت الأزمة.

غير أن هذه المعطيات لم تتحول إلى موقف رسمي إسباني يتهم المغرب بالتخطيط للأحداث. فقد سارع المدير العام للشرطة الإسبانية فرانسيسكو باردو إلى إبلاغ وزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا بأنه لا يوجد، بحسب ما أفادت به EFE، أي تقرير شرطي رسمي ينسب إلى قوات الأمن المغربية التخطيط أو التنفيذ المباشر لما وقع في 30 و31 يوليوز. وأوضح أن القاضية المكلفة بالملف كانت قد طلبت من المحققين عدم مشاركة التقرير الذي أعد في إطار التحقيق مع المسؤولين الأعلى قبل انتهاء المسار القضائي.

وفي المقابل، حافظ رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، خلال مثوله أمام مجلس النواب في 3 شتنبر، على موقف حذر تجاه فرضية تورط السلطات المغربية. وقال إن الحكومة لا تتوفر، حتى الآن، على أدلة قوية تثبت أن المغرب خطط أو نفذ عملية العبور الجماعي، مؤكداً في الوقت نفسه أن إسبانيا ستتصرف “بكل حزم” إذا ظهرت أدلة صلبة تثبت مسؤولية الرباط.

وشدد سانشيز، خلال الجلسة البرلمانية، على أن الحكومة الإسبانية لم تتوصل من أي مؤسسة أو حكومة دولية، إلى حدود ذلك التاريخ، بأدلة قوية تثبت تخطيط المغرب أو تنفيذه للأحداث، لكنه أقر في الوقت نفسه بأن طبيعة التعاون مع الرباط بعد الأزمة “يجب أن تكون مختلفة”، معلناً مراجعة آليات التنسيق والإنذار القائمة بين البلدين بهدف تعزيز الضمانات مستقبلاً.

وتزامن ذلك مع كشف الحكومة الإسبانية عن إجراءات دبلوماسية اتخذتها تجاه الرباط. فقد أكد سانشيز أن مدريد استدعت في 21 غشت ممثلية المغرب للاحتجاج على تصريحات صدرت عن وزيرين مغربيين بشأن سبتة ومليلية. ولاحقاً أوضحت وزارة الخارجية الإسبانية أن الشخص الذي حضر إلى مقر الوزارة كان القائم بالأعمال، وليس السفيرة المغربية، التي لم تكن موجودة في إسبانيا حينها.

وتعود جذور التوتر الحالي إلى تصريحات لوزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي ووزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق، اعتبرتها مدريد غير مقبولة، بعدما تضمنت إشارات إلى الحقوق التاريخية للمغرب وإلى قضية سبتة ومليلية. وقد ساهمت هذه التصريحات، إلى جانب أزمة الهجرة، في رفع منسوب الحساسية السياسية حول الملف داخل إسبانيا.

وكانت الحكومة الإسبانية قد أعلنت، منذ الأيام الأولى للأزمة، أن التعاون مع المغرب ساهم في احتواء الوضع وإعادة أعداد كبيرة من الأشخاص الذين دخلوا إلى سبتة. ووفق ما عرضه سانشيز أمام البرلمان، عاد نحو 63 ألف شخص إلى المغرب خلال 72 ساعة، أي أكثر من 90 في المائة ممن عبروا خلال الأزمة، بينما أكدت الحكومة في وقت لاحق أن إجمالي عدد العابرين المعتمد لديها ظل في حدود 72 ألفاً.

وفي خضم ذلك، تواصل السلطات القضائية الإسبانية البحث في ملابسات الأزمة، بما في ذلك احتمال وجود تنظيم أو تنسيق مسبق لعمليات العبور، وهي فرضية لم تحسمها التحقيقات بشكل نهائي حتى الآن. وكانت المحكمة الوطنية قد فتحت إجراءات أولية وطلبت تقارير من الأجهزة الأمنية لتحديد ما إذا كان الأمر يتعلق بتحرك منظم أو بعملية استغل فيها المهربون وشبكات التواصل ظروفاً استثنائية على جانبي الحدود.

وتكشف التطورات المتسارعة خلال الأيام الأخيرة عن مفارقة واضحة في المشهد الإسباني؛ فمن جهة، توجد تقارير أمنية وإعلامية تثير تساؤلات حول طبيعة تعامل القوات المغربية مع موجة العبور، ومن جهة أخرى، تؤكد الحكومة الإسبانية عدم توفرها على أدلة حاسمة تسمح لها بتحميل المغرب مسؤولية التخطيط أو التنفيذ.

وفي هذا السياق، تبدو خطوة الرباط بإبلاغ مدريد بفتح تحقيق ذات أهمية خاصة، باعتبارها تضيف مساراً آخر إلى التحقيقات الجارية في إسبانيا، وتفتح الباب أمام معرفة ما إذا كانت السلطات المغربية ستكشف لاحقاً عن نتائج أو معطيات يمكن أن تساعد في تحديد أسباب الأزمة والمسؤوليات المرتبطة بها.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *