السياقات الدينية السياسية والتاريخية ورمزيتها في المواقف السيادية

المواطنة عملية معقدة متعددة الأبعاد ترتبط بسياقاتها السياسية والتاريخية وهي العلاقة القانونية بين الفرد والدولة، من خلالها يتمتع الفرد ببعض الامتيازات أو الحقوق، وعليه أيضا بعض الالتزامات تجاه الدولة، وفي المقابل يقع على الدولة حماية مصالحه الحيوية. بل وأكثر من ذلك تتعلق المواطنة بشعور الشخص بالانتماء للمجتمع والدولة كرمز للمشترك الديني والأخلاقي يؤطر الولاء الحضاري ينبثق منه الشعور بالهوية.

يتوجه الكثير من النقاش المرتبط بالمواطنة إلى مشاركة المواطنين والممارسة في لعب دور فعال في المجتمع، لكن ما نريد التطرق له وتوجيه النقاش له هو أننا في العلاقة بين الفرد والدولة نتحدث عن الحقوق والمسؤوليات السياسية ثم الولاء والتضامن بترسيخ العلاقات الاجتماعية، ثم ضرورة الوعي بالتراث الثقافي والتاريخي المشترك.

من خلال ذلك فإن الاحتفاء بذكرى المولد النبوي الشريف وما يمثله للشعب المغربي، بما يليق بها من مظاهر الاعتزاز والإجلال والإكبار، وإبرازا أيضا لدلالاتها الوطنية وأبعادها ومقاصدها السامية المتمثلة في دعوة أمير المؤمنين إلى إشاعة القيم النبيلة والتشبث برموز الوطن وبوحدته وسيادته، جاعلا المواطن موضوعا لمشروع بناء الدولة وشريكا في صنع القرار السياسي والمؤسساتي.

يمكننا القول أن العلاقة بين المواطن والدولة طالما عرفت رمزية كبيرة خصوصا في الشق المتعلق بالتمسك برموز الوطن ووحدته الترابية واحترام سيادته، وهو ما شهدناه من خلال تفاعلات المغاربة مع ما جاء فيما تقدم به وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية في الحفل الذي ترأسه أمير المؤمنين بمناسبة تخليد ذكرى المولد النبوي الشريف بالقصر الملكي العامر بعاصمة المملكة المغربية الرباط الذي يرمز إلى جسر بين الماضي المهيب والمستقبل الواعد، رمزية المكان يتردد صداها مع حكايات الانتصار والصمود، كرمز ومنارة لروح الأمة الدائمة، شاهدة على المحطات الهامة التي طبعت الخط الزمني للبلاد.

هنا لنا عودة لكلمة وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أمام أمير المؤمنين خلال الحفل الديني إحياء لذكرى المولد النبوي الشريف، حيث جاءت بإشارات واضحة إلى مدينة سبتة وإلى تاريخ تعبئة المغاربة من أجل استرجاع الأراضي المحتلة، مذكرا بأن القاضي عياض، العلَّامة والفقيه والمؤرِّخ، صاحب كتاب “الشفا بتعريف حقوق المصطفى”، وأبو العباس أحمد العزفي السبتي الفقيه والمحدث والقاضي، صاحب “الدر المنظم في مولد النبي المعظم”، كانا من علماء مدينة سبتة، ثم كتاب “دلائل الخيرات” للإمام محمد بن سليمان بن أبو بكر الجزولي السملالي الحسني، المعروف بتجميعه لكتاب “دلائل الخيرات وشوارق الأنوار في ذكر الصلاة على النبي المختار” والذي كان له دور في تعبئة المغاربة من أجل تحرير المدن المطلة على البحر المتوسط.

يظهر لنا من دون أي أدنى شك البعد الديني والتاريخي ودلالات تشبت المغاربة وتمسكهم باسترجاع سبتة ومليلية، خصوصا مع ما يمثله المكان والزمان والإطار الذي جاء فيه النص كبنية تحليلية داخل منظومة متناسقة لا تخفى على أي فرد، سواء على مستوى الداخلي أو الخارجي للبلاد، بما يمنحها أبعادا دينية وسياسية، في سياق يأتي مباشرة بعد تجديد وزير العدل عبد اللطيف وهبي تمسك المغرب بحقوقه التاريخية والجغرافية في سبتة ومليلية، ضمن المواقف السيادية للمملكة المغربية.

 

الحفيرة يوسف

دكتور العلوم القانونية

والسياسية

 

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *