المحمدية على صفيح انتخابي ساخن.. من يقتنص مقاعد البرلمان؟

تتجه دائرة المحمدية إلى خوض واحدة من أكثر المعارك الانتخابية تعقيداً في استحقاقات 2026، بعدما بلغ عدد اللوائح المعلنة حتى الآن 17 لائحة تتنافس على ثلاثة مقاعد برلمانية فقط. ولا تبدو المعركة محسومة مسبقاً لأي حزب، بالنظر إلى سرعة التحولات التي عرفتها الخريطة الانتخابية المحلية خلال السنوات الأخيرة، والتي أظهرت أن ترتيب القوى السياسية في المحطة السابقة لا يشكل بالضرورة ضمانة للاستمرار في الصدارة.

وتحمل نتائج انتخابات 2021 مؤشرات قوية على حجم التقلب الذي تعرفه هذه الدائرة. فقد تصدر التجمع الوطني للأحرار النتائج بـ24 ألفاً و401 صوت، متقدماً على حزب الاستقلال الذي حصل على 14 ألفاً و498 صوتاً، فيما جاء الأصالة والمعاصرة ثالثاً بـ8 آلاف و605 أصوات. أما الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية فحصل على 5 آلاف و121 صوتاً، بينما اكتفى العدالة والتنمية بـ2638 صوتاً والاتحاد الدستوري بـ2469 صوتاً.

وأفضت هذه النتائج إلى وصول هشام آيت منة عن التجمع الوطني للأحرار، وسعيد التدلاوي عن حزب الاستقلال، والطاهر مزاغ عن الأصالة والمعاصرة إلى مجلس النواب، في تحول واضح مقارنة بخريطة 2016، حين كان العدالة والتنمية في الصدارة بـ27 ألفاً و835 صوتاً، يليه حزب الحركة الشعبية بـ14 ألفاً و592 صوتاً، ثم الأصالة والمعاصرة بـ11 ألفاً و29 صوتاً.

واللافت في المقارنة بين المحطتين أن المحمدية لم تعرف مجرد تبديل في ترتيب الأحزاب، بل شهدت إعادة تشكيل فعلية لموازين القوة. فالعدالة والتنمية فقد أكثر من 19 ألف صوت بين 2016 و2021، وانتهى به الأمر خارج التمثيلية البرلمانية، فيما خسر حزب الحركة الشعبية مقعده بدوره. وفي المقابل، قفز حزب الاستقلال من 2083 صوتاً فقط في 2016 إلى 14 ألفاً و498 صوتاً في 2021، مترجماً هذا الصعود إلى مقعد برلماني، بينما تمكن التجمع الوطني للأحرار من احتلال الصدارة والفوز بمقعد.

 

هذه الأرقام تجعل قراءة انتخابات 2026 أكثر تعقيداً، لأن سلوك الناخبين في المحمدية خلال المحطات السابقة لا يوحي بوجود خريطة انتخابية جامدة. فالأحزاب التي كانت في المقدمة يمكن أن تتراجع بسرعة، كما أن قوى كانت بعيدة عن دائرة المنافسة قادرة على تحقيق قفزة انتخابية لافتة خلال دورة واحدة.

وتزداد صعوبة التكهن بالنتائج مع التشكيلة الجديدة للمرشحين. فقد اختار التجمع الوطني للأحرار الاستمرار مع هشام آيت منة، بينما قدم الأصالة والمعاصرة محمد أمين العطواني خلفاً للطاهر بمزاغ، في حين جدد حزب الاستقلال ثقته في سعيد التدلاوي للدفاع عن المقعد الذي حصل عليه في 2021.

وفي المقابل، يدخل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية المنافسة بقيادة مهدي مزواري، فيما رشح التقدم والاشتراكية عادل بنبراهيم، وفيدرالية اليسار الديمقراطي الحسن اليماني، بينما اختار العدالة والتنمية التهامي المحمدي. كما تضم المنافسة أحمد الشموطي عن الاتحاد الدستوري، ومصطفى الهواري عن الحركة الشعبية، وسهيل ماهر عن الحزب المغربي الحر، والغازي خموري عن حزب الخضر المغربي، وأيوب العسول عن الحزب الديمقراطي الوطني، وأيوب مخماخ عن حزب الإنصاف.

وتتسع لائحة المتنافسين أيضاً لتشمل أسامة تايتا عن حزب الديمقراطيين الجدد، وفهد رشاق عن حزب الأمل، وياسين موجان عن حزب النهضة والفضيلة، إلى جانب زهير قاسمي الذي يخوض السباق بلائحة مستقلة.

ويرى مراقبون ومتتبعون للشأن السياسي أن المعطى الأكثر دلالة في هذه المنافسة لا يرتبط فقط بعدد اللوائح، وإنما بغياب ضمانات انتخابية تسمح بتوقع توزيع المقاعد الثلاثة بسهولة. فعودة بعض الأسماء، وتغيير وكلاء اللوائح، وانتقال مرشحين بين التنظيمات السياسية، مقابل استمرار أسماء أخرى في مواقعها، كلها عوامل قد تعيد خلط الأوراق.

كما أن تجربة 2016 و2021 تؤكد أن قوة الحزب على المستوى الوطني لا تكفي وحدها لحسم المعركة في المحمدية، إذ تتداخل الحسابات المحلية، وحضور المرشحين، وقدرتهم على التعبئة، مع التحولات التي تطرأ على اختيارات الناخبين. ولذلك فإن الرهان الحقيقي في انتخابات 2026 قد يكون على من ينجح في تحويل حضوره التنظيمي والسياسي إلى أصوات فعلية يوم الاقتراع.

وبهذا المعنى، تبدو دائرة المحمدية مفتوحة على أكثر من سيناريو، من احتفاظ القوى التي تصدرت انتخابات 2021 بمواقعها، إلى بروز منافسين جدد قادرين على قلب الترتيب. وبينما يسعى الأحرار والاستقلال إلى حماية مكاسبهما، يطمح الأصالة والمعاصرة إلى تثبيت حضوره، في وقت تبحث فيه أحزاب أخرى عن اختراق المشهد وانتزاع أحد المقاعد الثلاثة.

لذلك، فإن كثرة اللوائح لا تعني بالضرورة تشتتاً انتخابياً فقط، بل قد تكون مؤشراً على معركة يصعب اختزالها في ثنائية أو ثلاثية حزبية. وفي ظل السوابق الانتخابية للمحمدية، يبقى السؤال الأهم ليس من يتصدر السباق، وإنما من سيتمكن في النهاية من حجز المقاعد الثلاثة في دائرة أثبتت أكثر من مرة أن نتائجها قابلة لإعادة رسم الخريطة السياسية من جديد.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *