خبير يفكك أبعاد استحضار علماء سبتة في خطاب التوفيق أمام جلالة الملك

شهدت المناسبة الدينية التي ترأسها جلالة الملك محمد السادس بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف حضورا قويا للبعد الديني والروحي، في سياق يعكس المكانة التي تحظى بها هذه الذكرى في الوجدان المغربي، وما تمثله من مناسبة لاستحضار السيرة النبوية وقيمها، إلى جانب التوقف عند عدد من المحطات التاريخية التي طبعت مسار المغرب وهويته الدينية والحضارية.

وفي هذا الإطار، حمل خطاب وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق، جملة من الإشارات المرتبطة بتاريخ المغرب وثوابته ومؤسساته، مستحضرا مكانة إمارة المؤمنين والبيعة، إلى جانب أسماء ووقائع تاريخية ارتبطت بالمجال المغربي، من بينها علماء من مدينة سبتة، قبل أن ينتقل إلى الحديث عن الإمام الجزولي وكتاب «دلائل الخيرات»، وما ارتبط به من حضور في الذاكرة الدينية والتاريخية للمغاربة.

وفي هذا السياق يرى المحلل السياسي رشيد لزرق أن هذا التسلسل في الخطاب لا يمكن اعتباره مجرد مصادفة بلاغية، بل يعكس، بحسب قراءته، انتقالا من الاستحضار الديني إلى بناء سردية سياسية للتاريخ والشرعية والسيادة.

وأشار رشيد لزرق في تصريح خص به “بلبريس” إلى أن الوزير ميز بوضوح بين التجلي العاطفي والتجلي السياسي لتعلق المغاربة بالرسول صلى الله عليه وسلم، وربط التجلي السياسي بإمارة المؤمنين والبيعة ووظائف «حفظ الأرض والثوابت»، معتبرا أن استحضار القاضي عياض وأبي العباس العزفي، وهما من أبرز أعلام مدينة سبتة، مباشرة بعد هذه الإحالات، يحمل دلالة خاصة، إذ يعيد إدراج المدينة ضمن الجغرافيا التاريخية والروحية للذاكرة المغربية، فالإشارة إلى شخصيات علمية وازنة من سبتة، في سياق حديث عن الدين والبيعة وحفظ الأرض والثوابت، تمنح المدينة حضورا يتجاوز بعدها الجغرافي نحو بعدها الحضاري والروحي في التاريخ المغربي.

ولا يتوقف الأمر، بحسب المحلل السياسي، عند استحضار علماء سبتة، إذ إن الانتقال إلى الإمام الجزولي وكتاب «دلائل الخيرات» يضيف بعدا آخر إلى هذه السردية، من خلال استحضار الدور الذي لعبته المرجعية الدينية والروحية في تعبئة المغاربة خلال مراحل تاريخية ارتبطت بالدفاع عن المدن والثغور ومواجهة الاحتلال.

وأفاد المتحدث ذاته أن هذا التسلسل باعتباره بناء لخطاب يربط بين الدين والتاريخ والأرض، ويؤكد أن الذاكرة المغربية لم تكن تفصل، في مراحل عديدة من تاريخها، بين الدفاع عن الثوابت وبين الدفاع عن المجال، ومن ثم، فإن استحضار هذه الشخصيات والأحداث داخل خطاب ديني رسمي يساهم في إعادة تثبيت هذا الترابط ضمن الذاكرة الوطنية.

وأكد رشيد لزرق أن أهمية هذه الإشارات، تكمن وفق هذه القراءة، في أنها لا تأتي ضمن خطاب سياسي صدامي أو مطالبة مباشرة، وإنما تعتمد على سلطة التاريخ والعلم والدين؛ فالقاضي عياض وأبو العباس العزفي لا يحضران باعتبارهما مجرد شخصيتين تاريخيتين، وإنما باعتبارهما شاهدين رمزيين على العمق العلمي والحضاري لمدينة سبتة داخل المجال المغربي.

وأفاد لزرق أن التعاون والمصالح الراهنة لا يمحوان الذاكرة التاريخية ولا يعيدان تعريفها، فالحاضر السياسي قد يقوم على الشراكة والتفاهم، بينما تظل الذاكرة محتفظة بسرديتها الخاصة، وهو ما يسمح للدولة بالحفاظ على ثوابت خطابها التاريخي دون الدخول في منطق المواجهة.

ومن هذه الزاوية، تبدو الإشارة إلى سبتة أكثر دقة من مجرد استحضار تاريخي عابر، لأنها تعيد المدينة إلى الذاكرة المغربية من بوابة العلماء والفقهاء والتصوف، أي من خلال عناصر يصعب فصلها عن الهوية الدينية والحضارية للمغرب، موضحا أن الخطاب يمكن فهمه باعتباره نوعا من التثبيت الهادئ للذاكرة السيادية المغربية، بالتوازي مع الحفاظ على لغة سياسية غير تصادمية، فالدولة، وفق هذا التأويل، تستحضر سبتة باعتبارها جزءا من مجالها التاريخي والحضاري والوجداني، من دون تحويل المناسبة الدينية إلى مناسبة لإطلاق مواقف سياسية مباشرة.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *