في ظل عودة مشاهد الهجرة الجماعية نحو مدينة سبتة المحتلة إلى واجهة النقاش العمومي، اختار حزب الحركة الشعبية توسيع زاوية النظر إلى الظاهرة، معتبراً أن مقاربتها لا يمكن أن تختزل في البعد الأمني، بل تستدعي مراجعة عميقة للسياسات العمومية، خصوصاً تلك المرتبطة بالشباب والتشغيل والتنمية الاجتماعية والمجالية.
ودعا الحزب إلى إطلاق وقفة وطنية جماعية لتشخيص الاختلالات التي تقف وراء تنامي موجات الهجرة، واقتراح مقاربة متكاملة تجمع بين التدبير الأمني المشروع والحلول التنموية القادرة على الاستجابة لتطلعات الأجيال الجديدة. وربط الحزب بين الظاهرة وبين ما وصفه بعجز السياسات الحكومية والقطاعية والترابية عن احتواء البطالة، التي قال إنها بلغت مستويات غير مسبوقة.
وترى الحركة الشعبية أن معالجة هذه التحديات تقتضي الانتقال إلى جيل جديد من السياسات الاجتماعية والمجالية، يقوم على التنمية المستدامة بدل الاكتفاء ببرامج ظرفية تسعى إلى تدبير مظاهر الهشاشة دون معالجة جذورها. كما دعت إلى إعادة توجيه الإصلاحات نحو قطاعات التعليم والتكوين والصحة والتشغيل والتنمية الترابية.
وفي قراءة سياسية للظاهرة، اعتبر الحزب أن الهجرة أصبحت أحد تجليات الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية، داعياً إلى إرساء تعاقد مجتمعي جديد يحد من مظاهر ما وصفه بـ”مغرب السرعتين”، ويقلص الفوارق الاجتماعية والمجالية والرقمية والجيلية.
وانتقد الحزب، في هذا السياق، ما اعتبره تراكم اختيارات حكومية لم تنجح في استحضار الأبعاد الاستراتيجية للسياسات العامة، أو في استثمار أهداف النموذج التنموي الجديد، وفق تقديره.
وجاءت هذه المواقف عقب اجتماع المكتب السياسي للحركة الشعبية، المنعقد يوم الإثنين 17 غشت 2026، برئاسة الأمين العام محمد والزين وبحضور رئيس الحزب محند العنصر، حيث ناقش الاجتماع مستجدات الساحة الوطنية، إلى جانب التحضيرات للاستحقاقات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026.
وعلى المستوى الانتخابي، أعلن الحزب جاهزيته لخوض الاستحقاق المقبل، متحدثاً عن تعاقد سياسي وتنموي جديد واستراتيجية تواصلية وفريق من المرشحين والمرشحات يجمع بين ذوي الخبرة والوجوه الجديدة ومختلف الفئات الاجتماعية.
كما جددت الحركة الشعبية دعوتها إلى إنجاح الاستحقاق الانتخابي على أساس تكافؤ الفرص وتخليق الحياة السياسية، معتبرة أن مرحلة ما بعد 23 شتنبر ينبغي أن تفتح نقاشاً حول حصيلة التحالف الحكومي الحالي، وإمكانية إنتاج تمثيلية مؤسساتية جديدة قادرة على استعادة الثقة في العمل السياسي والمؤسساتي.
وفي ملف المحاماة، اتخذ الحزب موقفاً أكثر حدة، داعياً إلى استثمار مختلف الآليات الدستورية والقانونية المتاحة لإنهاء حالة الاحتقان التي يعيشها القطاع. واعتبر أن استمرار الأزمة ينعكس سلباً على منظومة العدالة وعلى السير الطبيعي للمرفق القضائي.
وحمل الحزب الحكومة مسؤولية ما وصفه بـ”النفق المسدود” الذي وصل إليه الإطار القانوني المنظم لمهنة المحاماة، منتقداً ما اعتبره اعتماد مقاربة انفرادية في تدبير الملف، وربط ذلك بملفات أخرى تهم الإعلام والصحافة والعدول والخبراء القضائيين والأطباء والممرضين ورجال ونساء التعليم.
ولم تقتصر انتقادات الحزب على هذه الملفات، إذ سجل ما وصفه بتفاعل سلبي مع الاحتجاجات والتعبيرات الشبابية والمجالية والفئوية، إلى جانب تصاعد شكاوى المواطنين من ارتفاع تكاليف المعيشة.
وترى الحركة الشعبية أن تجاوز أزمة المحاماة لا يمر عبر حصر النقاش في الجوانب المسطرية، وإنما عبر حل توافقي يستند إلى الإمكانات الدستورية والقانونية المتاحة، بما يحفظ حقوق المتقاضين ومصالح القضاء والحقوق المهنية للمحامين.
أما في قطاع الصحافة والإعلام، فجدد الحزب دعوته إلى إنجاح عملية هيكلة المجلس الوطني للصحافة، مع التشديد على ضرورة تعزيز استقلالية التنظيم الذاتي للمهنة. كما طالب بفتح ورش إصلاح شامل للقطاع يستحضر التحولات التي يعرفها المجتمع والإعلام، ويعيد للصحافة أدوارها الرقابية والتأطيرية في بناء الرأي العام.
واستحضر الحزب في هذا السياق مرجعيته التاريخية في الدفاع عن الحريات العامة والتعددية، مشيراً إلى مساهمته في إخراج قوانين مرتبطة بالأحزاب والجمعيات والتجمعات والصحافة والنشر منذ نهاية خمسينيات القرن الماضي.
ودعت الحركة الشعبية مختلف المتدخلين إلى الانخراط في إنجاح الهيكلة الجديدة للمجلس الوطني للصحافة، على أساس تكافؤ الفرص بين المهنيين والناشرين، مع إعطاء الأولوية لوظائف المؤسسة ومهامها بدل الصراع حول المواقع.
ويركز الحزب، في هذا الإطار، على عدد من الأولويات، من بينها دمقرطة الدعم العمومي الموجه إلى القطاع، وحماية حقوق المهنيين، ووضع خريطة طريق لإصلاح شامل لمنظومة الصحافة والنشر، بما يجعلها أكثر قدرة على مواكبة التحولات الهيكلية والمجتمعية التي يعرفها المغرب.