الداخلة على صفيح انتخابي ساخن..وقطبية في التشكل بين حزبي البام والاستقلال

لا تبدو التحولات الحزبية التي تعرفها الداخلة هذه الأيام مجرد انتقالات عادية لمنتخبين وفاعلين محليين بين الأحزاب. فما يجري يتجاوز، في تقديري، مسألة تغيير الانتماء السياسي، ويفتح الباب أمام إعادة ترتيب لموازين القوة داخل المدينة والجهة، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات التشريعية وما يرافقها من إعادة حسابات داخل مختلف التنظيمات.

وفي مقدمة هذه التحولات يبرز التنافس بين حزب الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال. صحيح أن المنافسة بين الحزبين ليست جديدة، لكن ما يميز المرحلة الحالية هو دخولها في سياق مختلف، بعد انتقال عدد من الفاعلين وتموقعهم من جديد. ولذلك بدأت المنافسة تأخذ شكلاً أقرب إلى صراع على إعادة بناء الخريطة الانتخابية، وليس فقط على الفوز بمقعد برلماني.

الكاتب: د.ميلود بلقاضي

 

وتحمل هذه المنافسة مفارقة تستحق الانتباه. فالبام والاستقلال جزء من الأغلبية الحكومية، لكن ذلك لم يمنع من انتقال التنافس بينهما إلى مستوى محلي حاد. وهذا أمر طبيعي إلى حد كبير في الانتخابات، حيث تتراجع أحياناً حسابات الأغلبية الوطنية أمام خصوصيات المجال المحلي، وحسابات المرشحين، وشبكات العلاقات التي تتشكل حول كل حزب.

ويظل انتقال الخطاط ينجا، رئيس جهة الداخلة وادي الذهب، من حزب الاستقلال إلى حزب الأصالة والمعاصرة، أبرز عنوان لهذه التحولات. فالرجل ليس وافداً جديداً على الحياة الانتخابية، بل راكم تجربة طويلة وحضوراً داخل المؤسسات المنتخبة، إلى جانب شبكة من العلاقات مع المنتخبين والفاعلين المحليين. ولهذا فإن انتقاله لا يمكن التعامل معه فقط كقرار حزبي شخصي، بل باعتباره مؤشراً يستحق القراءة في سياق إعادة ترتيب مواقع عدد من النخب بالداخلة.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: إلى أي حد يمكن أن تتحول هذه التحولات في صفوف النخب إلى أصوات داخل صناديق الاقتراع؟

هنا تصبح الصورة أكثر تعقيداً. فالمنتخب الذي يغير حزبه لا يصطحب معه بالضرورة كل الأصوات التي حصل عليها في الاستحقاقات السابقة، كما أن العلاقات الشخصية لا تعمل دائماً بالفاعلية نفسها في كل انتخابات. الناخب قد يصوت للمرشح، وقد يصوت للحزب، وقد يتأثر بعوامل أخرى لا تظهر في الحسابات الأولية للحملة الانتخابية.

وهذا هو التحدي الحقيقي أمام حزب الاصالة والمعاصرة. فوجود شخصية انتخابية وازنة داخل صفوف الحزب يمنحه بالتأكيد قوة دفع، لكنه لا يكفي وحده. المطلوب هو معرفة ما إذا كان الحزب قادراً على تحويل هذا الحضور إلى تنظيم انتخابي متماسك، وإلى تعبئة ميدانية قادرة على الوصول إلى الناخبين وإقناعهم يوم الاقتراع.

في المقابل، يجد الاستقلال نفسه أمام امتحان لا يقل صعوبة. فخسارة شخصية سياسية وازنة لا تعني بالضرورة خسارة القاعدة الانتخابية، لكنها تفرض على الحزب إعادة ترتيب أوراقه بسرعة. وسيكون عليه أن يقدم وجوهاً قادرة على المنافسة، وأن يحافظ على شبكاته المحلية، وأن يثبت أن حضوره في الداخلة لا يرتبط بشخص واحد مهما كان موقعه أو وزنه.

وتزداد حساسية هذه المواجهة بسبب طبيعة الدائرة الانتخابية ذات المقعدين. ففي دائرة محدودة المقاعد، لا تحتاج النتائج إلى فروق كبيرة حتى تتغير موازين المنافسة. بضعة أصوات قد تفصل بين مرشح وآخر، وقد تجعل انتقال مجموعة محدودة من الناخبين مؤثراً في النتيجة النهائية. لذلك يصبح لكل مرشح، ولكل شبكة انتخابية، ولكل تحرك داخل النخب المحلية، وزن أكبر مما قد يكون عليه الأمر في دوائر متعددة المقاعد.

ومع ذلك، سيكون من الخطأ اختزال المشهد في الاصالة والمعاصرة والاستقلال وحدهما. فالداخلة تعرف حضوراً لعدد من الأحزاب والفاعلين، ولا يمكن الحديث عن قطبية مكتملة قبل معرفة حجم المنافسة الفعلية التي ستفرضها بقية القوى. ما يمكن قوله اليوم هو أن الحزبين أصبحا في موقع يسمح لهما بالدخول في مواجهة مباشرة على جزء مهم من الرصيد الانتخابي المحلي، وأن هذه المواجهة مرشحة لأن تكون إحدى أبرز عناوين الاستحقاق المقبل.

وما يجري في الداخلة يكشف أيضاً تحولاً أوسع في طريقة اشتغال الأحزاب على الانتخابات. فالأحزاب لم تعد تعتمد فقط على قوتها التنظيمية الوطنية، بل تبحث عن شخصيات محلية لها حضورها الخاص وقدرتها على بناء علاقات مباشرة مع الناخبين. وهذا يفسر جانباً من الصراع الحالي على استقطاب المنتخبين والفاعلين المحليين.

لكن الرهان على النخب يظل محفوفاً بالمخاطر. فالحضور الاجتماعي والسياسي للمرشح لا يضمن وحده النتيجة، كما أن قوة الاسم لا تعوض ضعف التنظيم. وفي نهاية المطاف، ستبقى صناديق الاقتراع هي التي ستحدد القيمة الانتخابية الحقيقية لكل انتقال ولكل تحالف ولكل تموقع جديد.

لذلك، فإن الحديث عن قطبية بين البام والاستقلال يمكن أن يكون مفيداً لفهم ما يجري، لكن من الأفضل التعامل معها باعتبارها قطبية قيد التشكل وليست واقعاً انتخابياً حسم مسبقاً. فالمؤشرات موجودة، والمنافسة واضحة، لكن النتيجة لم تُكتب بعد.

انتخابات 23 شتنبر ستكون الاختبار الحقيقي. فإذا تمكن البام من تحويل التحولات التي عرفتها الداخلة إلى مكاسب انتخابية، فسيكون لذلك أثر واضح على الخريطة الحزبية المحلية. وإذا نجح الاستقلال في الحفاظ على موقعه واستعادة زمام المبادرة، فقد يتبين أن انتقال بعض الوجوه لم يكن كافياً لتغيير موازين القوة.

لهذا، فإن المعركة في الداخلة لا تختصر في سؤال من سيفوز بالمقعدين. السؤال الأعمق هو ما إذا كانت التحولات الحالية ستبقى مجرد إعادة تموقع داخل النخب، أم ستتحول إلى تغيير فعلي في الخريطة الحزبية للمدينة والجهة. وفي هذا المعنى تحديداً، تبدو الداخلة واحدة من الدوائر التي ستكشف نتائجها أكثر مما ستعلن عنه من أسماء فائزة؛ لأنها قد تكشف من تغير موقعه، ومن حافظ عليه، ومن استطاع فعلاً تحويل النفوذ السياسي إلى قوة انتخابية.

ولا بد ان نشير ان مستقبل الداخلة بعد القرار الاممي الاخير  رقم  2797 الذي يعترف بمغربية الصحراء سيصبح اكثر جاذبية لكل الاحراب.

belcadi@belprese.com

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *