صورة تختزل وجع المغرب…مؤلم ومؤسف

لم تكن صورة شاب مغربي يشق البحر حاملاً أمه فوق ظهره مجرد مشهد عابر من محاولات الهجرة نحو سبتة، بل تحولت إلى لقطة تختزل في لحظات قليلة حكاية إنسانية ثقيلة، تجمع بين الخوف والتضحية واليأس والتشبث بالحياة.

وسط الأمواج، ظهر الشاب حاملاً والدته، فيما لم يكن بحوزتهما سوى القليل من الأمتعة، وكأنهما يخوضان معاً رحلة لا يعرفان إلى أين ستقودهما. صورة بدت أقوى من كثير من الخطب، لأنها وضعت الإنسان في قلب المشهد، بعيداً عن الأرقام والتقارير والمصطلحات الرسمية.

الشاب لم يترك أمه وراءه، ولم يعتبر تقدمها في السن أو مشقة الطريق سبباً للتخلي عنها، بل حملها على ظهره وواصل السير وسط البحر. وفي هذا المشهد بعد إنساني عميق، يجسد معنى التضحية والوفاء للوالدين في واحدة من أقسى الظروف التي يمكن أن يواجهها الإنسان.

 

لكن الصورة تحمل أيضاً وجهاً آخر أكثر قسوة. فالشاب الذي يحمل أمه فوق ظهره، يحمل في الوقت نفسه أسئلة كثيرة عن الحياة التي تركها خلفه، وعن الأسباب التي جعلت المخاطرة في البحر تبدو بالنسبة إليه خياراً ممكناً رغم ما تحمله من خطر ومجهول.

لا يمكن اختزال ظاهرة الهجرة في سبب واحد، كما لا يمكن تحميل جهة واحدة مسؤولية قرارات آلاف الشباب. غير أن البطالة، والتفاوتات الاجتماعية، وصعوبة الولوج إلى بعض الخدمات، وضعف الثقة في المستقبل، كلها عوامل قد تجعل فكرة الرحيل حاضرة بقوة لدى فئات من الشباب.

وهنا يصبح السؤال أكبر من قصة شاب وأمه.

ماذا يعني أن يجد شاب في أمواج البحر أملاً لا يراه في واقعه؟ وماذا يعني أن تتحول رحلة محفوفة بالموت إلى احتمال مقبول في ذهن شخص يبحث عن بداية جديدة؟

من هذه الزاوية، تبدو فكرة وضع تمثال يجسد الشاب وهو يحمل أمه داخل البرلمان ذات دلالة رمزية قوية. ليس باعتباره وسيلة لإدانة النواب أو مهاجمة مؤسسة بعينها، وإنما باعتباره تذكيراً دائماً بأن خلف كل رقم يتعلق بالبطالة أو الهجرة قصة إنسانية وأسرة وانتظارات وآمال.

فخلف مؤشرات الاقتصاد يوجد شاب يبحث عن فرصة، وخلف أرقام الهجرة توجد أسر تنتظر أبناءها، وخلف الحديث عن التنمية مواطن يريد مدرسة جيدة، وخدمات صحية محترمة، وعملاً يضمن له العيش بكرامة.

التنمية لا تقاس فقط بحجم المشاريع والطرق والمنشآت، وإنما أيضاً بقدرة الإنسان على الإحساس بأن مستقبله ممكن داخل بلده، وأن الفرص ليست حكراً على فئة دون أخرى، وأن صوته مسموع وأن كرامته مصونة.

وفي المقابل، لا ينبغي أن تتحول الهجرة الخطرة إلى بطولة أو أن تقدم باعتبارها الطريق الطبيعي للخلاص، كما لا يصح اختزال من يخاطر بحياته في البحر في مجرد رقم أو مخالف للقانون. بين الموقفين مساحة واسعة من المسؤولية السياسية والاجتماعية والإنسانية.

فالمطلوب ليس فقط إقناع الشباب بعدم ركوب البحر، وإنما بناء واقع يجعلهم أقل استعداداً للمخاطرة بحياتهم من أجل مستقبل أفضل.

وربما لهذا السبب تحديداً تستحق صورة الشاب الذي حمل أمه أن تبقى حاضرة في الذاكرة العامة. إنها لا تروي فقط قصة ابن ووالدته، بل تطرح سؤالاً بالغ القسوة على كل من يملك مسؤولية القرار:

ماذا فعلنا حتى أصبح البحر، في نظر بعض أبنائنا، أقل رعباً من البقاء في الوطن؟

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *