نظمت أكاديمية الشباب المغربي بشراكة مع المنتدى المتوسطي للشباب – المغرب، مساء الإثنين 3 غشت 2026، ندوة علمية عن بعد تحت عنوان: “حركة النزوح الجماعي للشباب نحو معبر مدينة سبتة المحتلة: قراءة متعددة الأبعاد في الأسباب والتداعيات والبدائل”، بمشاركة نخبة من الأكاديميين والخبراء والباحثين في قضايا الأمن والسياسات العامة والهجرة والشباب، وذلك في سياق وطني وإقليمي تزايدت فيه النقاشات حول موجات الهجرة غير النظامية وأبعادها المركبة.
استهل الندوة الدكتور محمد عصام لعروسي، مدير مركز منظورات للدراسات الجيوسياسية والاستراتيجية، بصفته مسير الجلسة، حيث قدم أرضية الندوة، مؤكداً أن ظاهرة النزوح الجماعي للشباب نحو معبر مدينة سبتة المحتلة لا يمكن اختزالها في بعدها الأمني أو القانوني فقط، وإنما تستوجب مقاربة شمولية تستحضر التفاعلات الجيوسياسية والإقليمية والدولية، ولعبة الخرائط والتحالفات والتنافس بين القوى المختلفة، إلى جانب التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تشهدها المنطقة.
وأشار الدكتور لعروسي إلى أن توقيت هذه الأحداث يكتسي دلالة خاصة، إذ جاء متزامناً مع احتفالات الشعب المغربي بعيد العرش المجيد، وفي ظرفية يحقق فيها المغرب إنجازات نوعية على المستويات الدبلوماسية والاقتصادية والتنموية والاستراتيجية، الأمر الذي يفرض قراءة موضوعية ومتأنية لهذه الظاهرة بعيداً عن الأحكام الانفعالية أو التفسيرات الاختزالية.
كما أبرز أن أرضية الندوة انطلقت من مجموعة من التساؤلات المركزية التي تم تحويلها إلى خمسة محاور رئيسية للنقاش، وهي:
1. الهجرة غير النظامية: أسباب النزوح وقراءة في التوقيت.
2. الدوافع الجيوسياسية للهجرة غير النظامية: تحولات المحيط الداخلي والإقليمي ومواقف دول الجوار.
3. الهجرة غير النظامية والسياسات العمومية: تقييم المقاربات واستشراف البدائل.
4. الهجرة غير النظامية ومسألة القيم الأخلاقية والإنسانية: تحولات الأنماط الثقافية ودور الأسرة والمؤسسات الوسيطة والإعلام.
5. الآفاق والبدائل: أدوار الدولة والمجتمع في مواجهة الظاهرة وتعزيز الأمل والثقة لدى الشباب.
وخلال مداخلته، تناول الدكتور العباس الوردي، أستاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس بالرباط والمدير العام للمجلة الإفريقية للسياسات العامة والمنسق العام لأكاديمية الشباب المغربي، الأبعاد السياسية والاستراتيجية لهذه الظاهرة، معتبراً أن المغرب راكم مكاسب مهمة بفضل الإجماع الوطني حول التوجهات الملكية الكبرى، غير أن عدداً من السياسات الحكومية لم تتمكن من تحويل هذه الرؤية إلى برامج ميدانية فعالة تستجيب لانتظارات الشباب.
كما أكد الدكتور الوردي أن ضعف البنيات الوسيطة، وفي مقدمتها الأحزاب السياسية والمؤسسات الاجتماعية والثقافية، ساهم في تراجع ثقافة المواطنة والانتماء وربطها بمشاريع التنمية الحقيقية، مما أوجد فراغاً في التأطير جعل فئات واسعة من الشباب عرضة للتغرير والمغالطات، في ظل غياب إعلام وطني قوي قادر على صناعة الوعي وتعزيز اليقين الوطني. ولم يفت المتدخل التوقف عند صعوبة البيئة الإقليمية، مشيراً إلى تورط بعض دول الجوار في تبخيس الإنجازات التي يحققها المغرب، وخاصة تلك المرتبطة بترسيخ وحدته الترابية وتعزيز سيادته على أقاليمه الجنوبية.
من جهتها، ركزت الدكتورة رقية أشمال، أستاذة التعليم العالي بجامعة محمد الخامس بالرباط، على التحولات الكبرى التي يعرفها مفهوم السيادة، معتبرة أن المغرب أصبح يمتلك أشكالاً متعددة من السيادة السياسية والاقتصادية والرقمية، قبل أن تتوقف عند تأثير المتغير الرقمي باعتباره أحد أهم المتغيرات المستقلة في النظام العالمي المعاصر، حيث تحول الفضاء الأزرق إلى مصدر رئيسي للمعلومات والتعبئة والتأثير في الرأي العام، بما في ذلك تجييش آلاف الشباب ودفعهم نحو المغامرة بعبور سبتة ومليلية.
كما دعت إلى اعتماد مقاربة حقوقية وإنسانية في معالجة الظاهرة، مبرزة أن أزمة القيم وتراجع أدوار الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام ساهمت في إضعاف إنتاج نخب شابة واعية بقيم المواطنة والانتماء. وانتقدت أداء وسائل الإعلام خلال الأزمات، معتبرة أن الارتجال والعشوائية يطبعان تدبيرها للعديد من القضايا الحساسة.
وفي هذا السياق، شددت الدكتورة أشمال على ضرورة تصحيح الاختلالات وإنتاج ديناميات جديدة بين الدولة والمجتمع، معتبرة أن ما حدث يشكل درساً وطنياً ينبغي استثماره لفهم التحولات الاجتماعية التي عرفها المغرب خلال العقدين الأخيرين، بدءاً من حراك 20 فبراير، مروراً بحراك الريف، وصولاً إلى موجات النزوح نحو سبتة سنتي 2021 و2026.
أما الأستاذ ياسين إيصبويا، مدير المنتدى المتوسطي للشباب والباحث في قضايا الشباب والمجتمع المدني، فقد دعا إلى إعادة النظر في طبيعة تفسير الهجرة غير النظامية، مؤكداً أن المؤشرات الاقتصادية ليست العامل الوحيد المحرك لها، بل تتداخل معها عوامل أخرى، من أبرزها ضعف وعي الشباب بمخاطر الهجرة غير النظامية، وتأثير السلوك الجماعي، وتراجع أدوار مؤسسات التنشئة والتأطير الاجتماعي، إضافة إلى ضعف المواكبة الأسرية وتراجع أدوار المجتمع المدني.
كما أشار إلى محدودية السياسات الجهوية والمجالية التي لا تراعي خصوصيات كل جهة، داعياً إلى بلورة عقد اجتماعي جديد يجعل الشباب في صلب التنمية، مع ترسيخ ثقافة التفكير النقدي وتعزيز التربية على المواطنة الرقمية باعتبارها إحدى أدوات بناء الوعي المجتمعي.
ومن جانبه، خصص الدكتور Roméo Gbaguidi، رئيس مختبر الدراسات حول الهجرة الإفريقية وأستاذ جامعي بمدريد، مداخلته لتحليل العلاقات المغربية الإسبانية في ظل الأزمة الحالية، موضحاً أن هناك اختلافاً في تأويل ما وقع بين الرباط ومدريد، وما يرافق ذلك من تباين في السرديات السياسية والإعلامية.
وأكد أن احترام سيادة الدول ينبغي أن يشكل الأساس في معالجة مثل هذه القضايا، مع التشديد على ضرورة الحفاظ على العلاقات الودية بين المغرب وإسبانيا بالنظر إلى القرب الجغرافي والتاريخ المشترك، وحجم المبادلات التجارية، والمشاريع الاقتصادية المشتركة، فضلاً عن الدور الذي تضطلع به الجالية المغربية المقيمة بإسبانيا، وهو ما يجعل العلاقات بين البلدين محكومة بمنطق الحتمية التاريخية والمصلحة الاقتصادية المتبادلة.
وشهدت الندوة نقاشاً علمياً تفاعلياً ساهم فيه عدد من المشاركين، حيث تم تبادل وجهات النظر حول سبل بناء مقاربة وطنية متكاملة لمعالجة الظاهرة، تراعي مختلف أبعادها الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحقوقية.
وفي ختام اللقاء، قدم الدكتور محمد عصام لعروسي مجموعة من التوصيات، أبرزها الدعوة إلى إطلاق مبادرة شبابية وطنية تعنى بقضايا الشباب والهجرة ومحركات التنمية، تعمل على إنتاج الأفكار والمقترحات والسياسات البديلة، وتعزيز الحوار بين المؤسسات والشباب، بما يسهم في ترسيخ قيم المواطنة والانتماء، وبناء الثقة في المستقبل، وتحويل الشباب إلى فاعل رئيسي في التنمية الوطنية بدل أن يكون ضحية للهجرة غير النظامية ومخاطرها.
وأكد المشاركون في ختام الندوة أن معالجة ظاهرة النزوح الجماعي للشباب تستدعي رؤية استراتيجية شاملة، تقوم على التكامل بين السياسات العمومية، وتعزيز أدوار الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام والمجتمع المدني، والاستثمار في الرأسمال البشري، بما يضمن حماية الشباب المغربي وصيانة كرامته وفتح آفاق أوسع أمام مشاركته الفاعلة في بناء مستقبل الوطن.